مساحة إعلانية

 

   

  

الفيس بوك

التراث القيمي.. انتكاسة الوعي قبل الرشد / الولي ولد سيدي هيبه

سبت, 12/12/2015 - 19:42

و هل يكون استرجاع القيم بالشعر الرخيص المتملق الذي يقبض ثمنه على مائدة الإلقاء و بمحاضرات لا ترقى بمحتوياتها المبتذلة إلى مرامي المبتغى المداوي في سياق مصاب ضياع القيم المخل و انفراط عقد الأخلاق الناظم و تحلل و تلف خيوط النسيج الاجتماعي لكل مكونات الأمة؟ و هل يكون أيضا

بابتذال مسرح سقيم و تمثيل وضيع و نص ضعيف مهزوز مذموم و خشبة تفتقر إلى أدنى مقومات أبي الفنون و أقوى أسباب تطور الأمم الراقية؟ و هل هو عملية ذر الرماد في العيون و الإعلان على حين غرة أن إحياء التراث القيمي هو استنطاق التراث الأخلاقي لتحرير عقد اجتماعي يعتمد ويتأسس على مجموعة من القيم الأخلاقية الأكثر تجذرا في المجتمع وفي مقدمتها تلك التي تستمد معانيها من التراث الإسلامي، و هو نص على صدق تأويله وإيجازه إلا أنه يجتزئ بل لا يكاد يجعلها المنطلق و الهدف الأول، مراحل الضياع و أسباب السقوط إلى مستنقع اللا أخلاق و الانجراف إلى مزالق التجرد من القيم و الخروج من دائرة التحصين بالدين و مسطرته الأخلاقية الوضاءة باتجاه مستنقع التجرد من ثوابته الرفيعة و أخلاقه المثلى إلى القيم المادية التي لا تحفظ للعهود قدرها و لا ترعى للضوابط الشرعية و القانونية منعتها و منزلتها العالية و لا تعير للمحذورات الاجتماعية و العرفية اعتبارها و مراتبها،. 
إنهم أهل هذا البلد يغوصون رويدا رويدا في  جاهلية مفاهيم الماضي من خلال انتكاسة نهضوية كانت قد قامت عند النشأة كالأعجوبة على الرغم من كل القيود الاجتماعية الموغلة في القدم،  و ثقافية تحدت المسافات الشاسعة الفاصلة بين الوعي المدني الوضاء و إكراهات البداوة الغارقة في ظلام التخلف، و فكرية أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها تجافي منطق ذاك التحول الذي عرفته الدولة الوليدة منذ الاستقلال و الإعلان عن الحرب على الإقطاعية و التراتبية، و إنها تخالف منطق العقل السليم الذي يصاحب تلقائيا مضامين التحول و يترجمها إلى أفعال بناءة و أحاسيس نبيلة تنقل إلى المكان الصحيح في الزمن المخلص من عقد التخلف بكل معانيه و أبعاده. تحول كاد يخلق استثناء في الصحراء الكبرى لولا جفاف حاد دام عقودا و حرب ضروس جاءت  كأنها لعنة حاكتها الأقدار، فتغيرت وجهة المسار و انتصرت إرادة الجمود التي لم ترحب يوما بتباشير التحول و لم تستسغ مطلقا بواعث الحراك إلى الانعتاق من سجن استبداده. إرادة جمود لم تفوت هي كذلك فرصة الانقضاض و الرجوع بالأمور إلى مربعها الأول. خمسة و خمسون عاما حملت في طياتها:
·        تشوهات الجفاف البارزة على الأديم بتفاصيل نفوق الماشية و الهجرة إلى العاصمة و انتشار الأمية و البطالة،
·        و في السلوك العام من خلال التحرر السريع من قيود مسطرة القيم المانعة من السقوط في أدران المحظورات الشرعية و من التحلل من الأخلاقيات الناهية عن استسهال ذ بل بموانع السعي الشريف و الزق الحلال.
·        و آثار جراحات حرب الصحراء الضروس الغائرة في الجسم النحيف و الملقية بكل ظلال ارتكاس مرير على مسار بدأ بالعزم على بناء بلد له خصوصياته و ميزاته و انتهى بسلسلة من الانقلابات العسكرية تخللتها هزات بمضامين مختلفة ألقت هي كذلك على المسألة الوطنية بأثقال ما زالت تنوء بها رغم غلبة صمت العواصف على هوجها،
·        و الندوب العميقة في النفسيات كرست النفاق و التزلف التملق و الغدر و الكسل و الخمول و استساغة السهل في ضياع غير مسبوق لقليل الأخلاق  و نادر القيم الذي حفظه حضور الدين. ندوب مزقت النسيج و كرست من جديد جاهلية عقلية "السيبة" فـ:
·        عادت القبلية بأشد و أسوأ مما كان عليه الحال و قد اتخذت شكلا كرس، بداخل وحدتها التقليدية و بنيتها الأساسية التي كانت قائمة، الظلمَ و الغبنَ ليرتفع على رأسها الأغنياء من أفرادها دون أهل الشهامة و الحكمة و ليضيع الترتيب العمري و النوعي،
·        و تأصلت عمليا، رغم ارتفاع الأصوات و وتيرة قوة النضال و المطالبات، الطبقية و النظرة الدونية و الازدراء و الإقصاء و الغبن،
·        و اشتدت غلبة حب المال و الكسب بكل الطرق حتى بات نهب المال العام من علامات الفروسية و مطية إلى النبل و الرفعة و المهابة،
·        و انتشرت العادات السيئة و الممارسات الوضيعة و الأعمال المخلة بمنهج الدين القويم و بالمنظومة الأخلاقية.
و ما التباين الماثل بين العيان بملء سفوره و شدة ظلمه إلا انعكاسا لا غبار عليه لهذه الحالة التي كرسها الانحراف عما كان موجودا من ينابيع التراث القيمي رغم هفواته و علاته كما أسلفنا تحت وطأة و قوة الحق الذي لا تغطيه حجب المراء و لا أستار النفاق الاجتماعي و لا التملق السياسي و لا سطوة الظلم بقوة عقلية "السيبة" و إملاءاتها.
هو الواقع الذي وضع الدولة، منذ النشأة و على مر خمس و خمسين عاما من الاستقلال و امتلاك القرار، في مأزق التخلف و أعاق الحركة التنموية على خلفية هدر غير مسبوق لمقدراتها الهائلة و تنوعها النادر و طاقات بعض أبنائها الهائلة في كل التخصصات و شتى المجالات. و هو الواقع الذي لا سبيل إلى معالجته إلا أن تسعى الدولة بجهد استثنائي و قفز جريئ على كل الاعتبارات السائدة إلى ترسيخ مفهوم دولة المواطنة. و هو المفهوم و المنهج الذين لم يعودا يتطلبان لاعتمادهما و سلك فجاجه المستقيمة تنظيرا إذ الأمثلة التي نجحت به أصبحت ديدن بقية دول العالم من مثل البلد و توجهه الأوحد بآلية منطق العصر و علميتها العالية.