مساحة إعلانية

 

   

  

الفيس بوك

مقترحات للمساهمة في إصلاح التكوين الفني والمهني

أربعاء, 08/28/2019 - 20:36

شيخنا محمد الحسين

 

يعتبر التكوين الفنّي و المهني المعني بتزويد العملية الإنتاجية في أي مجتمع بالمهارات والقدرات الإنتاجية المختلفة في شتى المجالات، ولهذا فقد أصبح سمة من سمات العصر الحديث، خصوصاً في ظلّ ما يشهده العالم من تفجر معرفي وتقني في كافة المجالات وما يترتب عنه من تغيرات متسارعة في أساليب العمل والإنتاج تجعل من عملية التأهيل وإعادة التأهيل التحدي الأساسي الذي تواجه الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية كافة.

ويمثل التكوين الفني والمهني في موريتانيا حجر الزاوية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية عن طريق تكوين اليد العاملة الكفئة و التي تساهم في محاربة البطالة والفقر، وبالإضافة إلى العوائد المادية التي يساهم فيها، للعنصر البشري نتائج غير مادية كالإنسجام الإجتماعي، التقليل من الإنحراف، حيث بينت العديد من الدراسات حول فوائد التربية والتكوين على الأفراد،  أن نسبة مردودية الإستثمار في العنصر البشري أكبر من نسبة الإستثمار في رأس المال المادي.

ويعاني التعليم في موريتانيا بصفة عامة و التكوين الفني والمهني على وجه الخصوص من مشاكل وصعوبات عديدة كتدني المستوى التعليمي ومخرجاته التي لا تواكب متطلبات سوق العمل، غياب سياسات وخطط للتكوين  الفني والمهني، تسرب عدد كبير من التلاميذ من التعليم العام مما يؤدي إلى عدم القابلية للإستخدام وينعكس هذا سلبا على التكوين الفني والمهني حيث أن  مدخلاته في الغالب هي من المتسربين من التعليم العام.

إن  النهوض بقطاع التكوين الفني والمهني يتطلب رؤية شمولية تأخذ بعين الاعتبار جميع الجوانب وتلامس بشكل واقعي مشاكل وهموم الفاعلين الأساسيين في القطاع، ضمن منظور متكامل لإصلاح منظومة التكوين الفني والمهني، مع الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في هذا المجال، وعليه فإننا نقترح ضمن هذه الرؤية الإصلاحية التركيز على إصلاح منظومة التكوين الفني والمهني ومن أجل إصلاح هذه المنظومة لابد من  تحديد الجهات المنتفعة بخدمات هذه المنظومة بصفة شاملة. ولئن تضع عديد الجهات سوق العمل كمستهدف رئيسي لمنظومة التكوين الفني و المهني فإنه يصح أن توضع أطراف أخرى في هذه المعادلة ومنها خاصة طالبي العمل وحاجيات الاستثمار. والاستجابة إلى حاجيات جهة من هذه الجهات الثلاث لا تتعارض مع احتياجات الجهات الأخرى فالمسالة مسألة أبعاد مختلفة لنفس الموضوع ورؤية شمولية تضع في الميزان جميع العناصر. ومن أجل تطوير منظومات التكوين الفني و المهني لا بد من وضع استراتيجيات تأخذ بعين الاعتبار جملة من الخصائص من بينها:

  • العناية بالموارد البشرية في مستوى التأطير والتصرف والتدريب: بما أن الموارد البشرية هي الركن الأساسي للنهوض بهذا القطاع مما يستلزم إشراكها ووضعها في ظروف مادية ومعنوية  تمكنها من أداء واجبها على أكمل وجه، وضع معايير شفافة و واضحة للتعيينات والترقيات داخل مؤسسات التكوين الفني والمهني.
  • إنشاء مركز عالي لتكوين المكونين وتطوير الخبرات يتم من خلاله القيام بدورات تدريبية للمكونين بصفة دورية حسب  تقييم دوري لحاجيات المكونين(bilan de compétences)  معد مسبقا. للإشارة فإنه في السنوات الماضية جرى تكوين معظم الأساتذة خارج الوطن وصرفت في هذا التكوين الملاين من الدولار في تكوين كان دون المستوى من حيث المردود العلمي والتقني وهذه الأموال كانت تكفي لإنشاء مركز وطني لتكوين المكونين.
  • خلق إطار تشريعي ملائم لمقتضيات المرحلة يمكن من توحيد الأهداف والتوجهات وتحديد مجالات التدخل بين مختلف الفاعلين في القطاع من إدارة التكوين الفني والمهني والمعهد الوطني لترقية التكوين الفني والمهني كمقدم خدمات ومفتشية التكوين الفني والمهني كجهة إشراف بيداغوجي، مع ضرورة  توحيد الإشراف البيداغوجي فيما يتعلق بالمناهج التدريبية وطرق إعدادها ومتابعة تنفيذ البرامج وتقييم مكتسبات المتكونين وطرق انتداب المدربين وتدريبهم،.... ويعني ذلك في صورة تواجد عديد الإدارات  المشرفة على التكوين الفني و المهني ضرورة حصر دور الإشراف البيداغوجي في إدارة واحدة تستجيب كل الجهات المتدخلة إلى الضوابط العامة التي تضعها.
  • ربط علاقات وطيدة مع جهات الإنتاج والإصغاء إليها والتعرف المباشر على طلباتها من المهارات ومدها بخدمات إضافية مثل التدريب المستمر للعاملين والمساعدة الفنية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة وكذلك مع الشركات العاملة في مجال المعادن والغاز.
  • المشاركة في تنفيذ العمليات التدريبية عن طريق التدريب بالمؤسسة الاقتصادية بما يساعد على تكوين مهارات أقدر على الاندماج السريع في سوق العمل ومسايرة متطلبات أداء العمل بالمؤسسة الاقتصادية والتخفيض في كلفة التدريب وتطوير قدرة استيعاب منظومة التكوين المهني. 
  • فتح تخصصات جديدة تستجيب لمتطلبات سوق العمل والتطوّرات المتسارعة في المعارف التقنية والمناهج  التطبيقية، مثل : تخصصات في مجال البترو كيميا والغاز وكذلك صيانة المعدات الطبية، والفندقة....الخ
  • التوجه نحو تطوير حاكمية مؤسسات التكوين الفني و المهني عن طريق توفير الموارد المالية طبقا للأهداف الموضوعة ومراعاة حسن التصرف فيها، والعمل على الحصول على تمويلات ذاتية عبر تقديم خدمات بمقابل للمؤسسات الاقتصادية أو للأفراد أوعن طريق خلق شراكة حقيقية بين مؤسسات الدولة من وزارات وقطاعات حكومية أخرى ومؤسسات التكوين الفني والمهني (حسب اختصاصات كل مؤسسة) من أجل جعلها مؤسسات خدماتية بامتياز مما سيمكنها من توفير تكوين ذا جودة للمتدربيين وتوفير ميزانية إضافية تمكن هذه المؤسسات من زيادة رواتب أساتذتها وتطوير منظومتها التعليمية.
  •  بناء مؤسسات تكوين فني و مهني عصرية وتحتوي على التجهيزات الضرورية للتدريب وإكساب المتدربين المهارات المستهدفة.
  • انفتاح مؤسسات التكوين الفني و المهني على اللغات من خلال برنامج إجباري في جميع التخصصات لمدة تتراوح ما بين 3 و6 أشهر،
  • إعادة النظر في التكوينات التي لم تعد مفيدة في مجال سوق الشغل.

من أجل الوصول إلى إصلاح حقيق ينبغي الاستفادة من التجارب السابقة في مجال الإصلاحات التي قيم بها سواء في التعليم الفني أو العام ومن بين أهم أسباب فشل تلك الإصلاحات هو اعتمادها على القرارات الارتجالية وكذالك النقل الحرفي لبعض التجارب دون ملاءمتها مع واقعنا الاقتصادي والاجتماعي وخصوصيتنا الثقافية.

" إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " صدق الله العظيم