مساحة إعلانية

 

   

  

الفيس بوك

القول القديم في توبة ساب النبي الكريم 

أربعاء, 08/07/2019 - 08:43

محمد الامين ولد آقه

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. 
مازال بعض الناس الى اليوم يتحامل على العلماء والائمة الذين افتوا بقبول توبة المسيء ، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث في المذاهب الفقهية في هذه المسألة حتى يتأكدوا من شرعية الموقف الذي يتبنونه. 
ينبغي أن يعلم هؤلاء أنهم لا يعارضون الأْئمة والعلماء وإنما يعارضون قولا فقهيا معتبرا معروفا في الفقه الاسلامي . 
ولا ينتصرون لنص ثابت بالكتاب والسنة وإنما ينتصرون لاجتهاد فقهي قد يخطئ وقد يصيب !! 
ومن أجل تقرير هذه المسألة لا بد من إيضاح بعض القضايا : 
دعونا –أولا- نحدد موضع النزاع  : 
إن عقوبة ساب النبي صلى الله عليه وسلم هي القتل بإجماع أهل العلم ، وقد نقل هذا الاجماع غير واحد من أهل العلم .. 
وقال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن من سبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن له القتل). الإجماع ص122. 
إنك لا تضيف شيئا جديدا حين تخبرني بأن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يجب قتله ، فهذا تحصيل حاصل وترديد معلوم،...لأن هذا الحكم دلت عليه السنة النبوية وانعقد عليه الاجماع ، ولم ينازع فيه أحد من أهل العلم. 
ليس هذا هو منزع الخلاف ولا موضع الإشكال ،وإنما موضعه هو : هل تقبل توبة من سب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ 
ومن المهم التذكير بأن العلماء أجمعوا على كفر من سب النبي صلى الله عليه ، وان هذا الاجماع نقله غير واحد من أهل العلم : 
نقله السبكي فقال :" أما سب النبي صلى الله عليه وسلم فالإجماع منعقد على أنه كفر، والاستهزاء به كفر "فتاوى السبكي 2/573 . 
وقال محمد بن سحنون : (أجمع العلماء أن شاتم النبي عليه الصلاة والسلام المنتقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كَفَر) (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) القاضي عياض: ج2، ص 214. 
إذن الاجماع منعقد على وجوب قتل الساب ومنعقد على تكفيره ..ليس في هذين الأمرين خلاف .. 
وإنما الخلاف هو هل تقبل توبته أم لا ؟ 
لسنا بحاجة إلى تكرار مذهب القائلين بعدم قبول توبة ساب النبي صلى الله عليه وسلم فقد يكون معلوما لدى الكثير انه هو المشهور في مذهب مالك ،وهو المنصوص لدى أكثر الحنابلة وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد. 
لكنا بحاجة إلى أن نعلم : مَنْ مِنَ المذاهب الفقهية يقول بأن ساب النبي صلى الله عليه وسلم تقبل توبته؟ 
إن هذا المذهب مروي عن ابن عباس ، ولم أقف على قول لأحد من الصحابة يخالفه. 
وقد ذكر هذه الرواية ابن القيم في زاد المعاد فقال : 
(قال مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : أيما مسلم سب الله ورسوله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ردة يستتاب فإن رجع وإلا قتل) زاد المعاد(5/ 54). 
ورواية ابن عباس هذه رواها حرب في مسائله عن ليث قال : حدثني مجاهد عن ابن عباس ... 
وما ذهب اليه ابن عباس هو مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية وأكثر الشافعية وبعض الحنابلة وهو مذهب الثوري والأوزاعي وهو الرواية الأخرى عن مالك وأحمد . 
قالوا بأن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر مرتدا وأنه يستتاب كسائر المرتدين فأن تاب قبل منه وإن لم يتب قتل كفرا : 
قال شيخ الاسلام ابن تيمية في فصل "استتابة المسلم وقبول توبة من سب النبي صلى الله عليه وسلم" : (وحكى مالك وأحمد أنه تقبل توبته وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وهو المشهور من مذهب الشافعي بناء على قبول توبة المرتد) الصارم المسلول (5/ 14). 
وقال الجزيري في "الفقه على المذاهب الأربعة" : 
(ومن سب النبي صلى الله عليه و سلم صريحا أو عرض بمقامه الكريم أو سب نبيا من الأنبياء أو سب جبريل وميكائيل فقد اختلف فيه على قولين : أحدهما أنه يقتل حدا ولا تقبل توبته كما يقول المالكية ثانيها : أن حكمه حكم المرتد الذي سب خالقه فإن تاب وإلا قتل وهذا هو المذهب الذي عليه المعمول) (4/ 107). 
وأما المذاهب الأربعة فهذه بعض أقوالهم : 
أولا –مذهب الحنفية : 
يقول ابن عابدين :(وفي "النتف" : من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مرتد وحكمه حكم المرتد ويفعل به ما يفعل بالمرتد ا هـ  فقوله ويفعل به ما يفعل بالمرتد ظاهر في قبول توبته كما لا يخفى) العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية (2/ 180) 
وينقل ابن عابدين أيضا في كتاب آخر:(عن المحقق المفتي أبي السعود التصريح بأن مذهب الإمام الأعظم أنه (أي: الساب ) لا يقتل إذا تاب ويكتفى بتعزيره رد المحتار (16/ 291) . 
ثانيا –مذهب الشافعية : 
قال القسطلاني بعد أن ذكر إجماع العلماء على وجوب قتل الساب : 
(ومذهب الشافعية أن ذلك ردة، تخرج من الإسلام إلى الكفر، فهو مرتد كافر قطعا لا نزاع فى ذلك عند الجمهور من أئمتنا، والمرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وفى الاستتابة قولان: أصحهما وجوبها، لأنه كان محترما بالإسلام، وإنما عرضت له شبهة، فينبغى إزالتها، وقيل: تستحب) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (2/ 384) 
ويصرح المرحوم عبد القادر عودة بأن قبول توبة الساب هو القول الراجح في المذهب الشافعي فيقول : 
(وتقبل توبة من سب النبى - صلى الله عليه وسلم - أو سب نبيًا غيره, ويستتاب, وهو الرأى الراجح فى المذهب) التشريع الجنائي في الإسلام (4/ 299،) 
ثالثا – الحنابلة : 
اختلف الحنابلة في المسلم اذا سب النبي صلى الله عليه وسلم هل تقبل توبته على قولين كلاهما رواية عن الامام أحمد . 
و الرواية القائلة بقبول توبة ساب النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليها شيخ الاسلام ابن تيمية بقوله : 
(وحكى آخرون من أصحابنا رواية عن الإمام أحمد أن المسلم تقبل توبته من السب بأن يسلم ويرجع عن السب..) الصارم المسلول(5/ 7) 
ويبدو أن الشيخ محمد المختار الشنقيطي عضو هيئة كبار العلماء في السعودية عند شرحه لزاد المستقنع اعتمد على هذه الرواية في رده لقول المصنف :[ولا تقبل توبة من سب الله أو رسوله]، فقال معلقا عليه : 
(هذا أحد القولين عند العلماء، وجمهور العلماء رحمهم الله على قبول توبته، وأنه إذا تاب توبة نصوحاً تاب الله عليه، وهذا هو الصحيح على ظاهر النصوص التي دلت على قبول توبة الكافر: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } [الأنفال:38] وقد كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم ويسبون الله عز وجل، ويسبون الدين، وإذا قبلت توبة من سب الله عز وجل، فمن باب أولى أن تقبل توبة من سب ما دونه.)شرح زاد المستقنع للشنقيطي (396/ 5). 
رابعا : مذهب المالكية : 
القول المشهور عند المالكية أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل حدا ولا تقبل توبته ،اعتمادا على رواية أحمد ابن عيسى عن ابن وهب ، ورواية ابن القاسم :(عن مالك في كتاب ابن سحنون والمبسوط والعتبية وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب من سب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل ولم يستتب،) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 216) 
و أما الرواية المنقولة عن الامام مالك في قبول توبة الساب فقد رواها أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني في كتاب الديات فقال : - حدثنا عمرو بن عثمان ، حدثنا الوليد ، عن مالك ، والأوزاعي في من سب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قالا : « هي ردة يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ». 
ان رواية الوليد بن مسلم لا تقل شأنا عن الرواية الأخرى المخالفة لها إن لم تكن أقوى منها ثبوتا . 
إن صحة هذه الرواية تفرض علينا اعتبارها قولا ثانيا في المذهب المالكي، وهي إن لم تكن أرجح من رواية ابن وهب وأوثق منها سندا فلا أقل من أن تكون مساوية لها ، والمقرر عند المالكية مشروعية الافتاء بالمساوي إن عدم الراجح، قال محمد النابغة الغلاوي في نظم بوطليحية : 
فما به الفتوى تجوز المتفق   عليه فالراجح سوقه نفق 
فبعده المشهور فالمساوى   إن عدم الترجيح في التساوي. 
وحتى لو اعتبرنا رواية الوليد ابن مسلم أضعف من الرواية الأخرى فإن الافتاء بالقول الضعيف له شروط ذكرها ابن ميابه في نظم نوازل الشيخ سيدي عبدو الله فقال : 
وشرط فتوى المرء بالضعيف   سلامة من شدة التضعيف 
وعزوه بعد تحقق الضرر    لعالم ما في اقتفائه ضرر 
وهذه الشروط متوفرة في النازلة التي بين أيدينا بما في ذلك تحقق الضرر حسبما ذكر العلماء الذين اعتمدوا على هذا القول .. 
******** 
هناك سؤال آخر تنبغي الاجابة عليه : 
هل استتابة من سب النبي صلى الله عليه وسلم مسألة اجتهادية يسوغ فيها الخلاف أم هي مسألة قطعية لا محل للاجتهاد فيها ؟ 
الواقع أنه لم يرد في الكتاب والسنة نص صريح يدل على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته، ولم ينعقد على ذلك إجماع من أهل العلم ، فلا نص ولا إجماع ...وبذلك تظل المسألة قضية اجتهادية لا تثريب على المخالف فيها ... 
و المسألة الاجتهادية حينما يقضي فيها قاض أو يحكم حاكم فإن حكمه لا ينقض بناء على قاعدة : "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد" .. 
وقال الشيخ سيدي عبد الله في مراقي السعود: 
والحكم من مجتهد كيف وقع    دون شذوذ نقضه قد امتنع 
وكل ما تقدم دليل على أنه من الخطأ الاعتراض على أي حكم في مسألة "استتابة ساب النبي الكريم" لأنها قضية اجتهادية للخلاف فيها متسع ، لا سيما بعد صدور الحكم فيها. 
وقد بينت في رسالة أطول من هذا المقال أن الراجح في المسألة هو جواز قبول توبة الساب ان تحقق صدقها . 
وخلاصة ما وصلت إليه من البحث هو أن : القول بعدم قبول توبة ساب النبي صلى الله عليه وسلم قول أنتجه المالكية وغذاه الحنابلة وتصدى له الشافعية وتبرأمنه الحنفية .