مساحة إعلانية

 


  

  

الفيس بوك

موريتانيا على مفترق الطرق

أحد, 12/23/2018 - 10:35

محمد فاضل الهادي

 

نقف اليوم على مفترق طرق غاية في الخطورة و الحساسية و نعرف جيدا أن إحدى الطرق تؤدي بنا إلى بر الأمان بينما قد تؤدي الطرق الأخرى بنا إلى اختصار المسافة نحو الانهيار و الإكتئاب تماما كما تفعل الطريق الخاطئة عند مفترق الطرق بمن سلك طريقا طويلا مسدودا لا زاد معه يعينه على تحمل مشقة العودة و ليس عنده من الوقت ما يسمح له بخوض تجربة جديدة من تجارب المغامرين.

إن موريتانيا على مفترق طرق، و الغافل من لا يدرك ذلك و لا يعمل على أساسه، و الغبي من يعرف ذلك و لا يصدقه، و لن ينجينا من المغامرة و المجازفة بكل ما بنيناه و كل ما وصلنا إليه إلا الحكمة و الروية و الأخذ بأكثر الأسباب حيطة و أقلها مخاطرا، مرتكزين على تجارب الأمم و مدركين لمكامن الخطر و واعين لمخاطر كل طريق من الطرق التي ترتسم أمامنا عند مفترق الطرق.

من المؤلم و المؤسف أن تكون نظرة بعضنا لمصالح البلد مبنية على رغبات ضيقة و مصالح آنية، و من المؤلم و المخزي أن يفكر بعضنا في من يقربون له على أنهم أحق و أولى بحكم البلد و إدارة شؤونه، و ليس ذلك من الوعي في شيء و لا من الروية و الرزانة في شيئ مطلقا.

ليس هناك من بد من تحليل الواقع و فهم أسباب كل تحرك سياسي تعرفه الساحة الوطنية، و ليس هناك من سلبية أكبر من تجاهل المعطيات و بناء عليها التحاليل حتى نخرج بصيغة تسمح بالفعل لبلدنا أن يبقى آمنا، مستقرا، و لشعبنا أن ينعم بالرخاء و الأمن و الاستقرار في ظل قيادة أيا كانت و مهما كانت، المهم أن تكون أفضل لنا و أكثر عدلا و انصافا و تفهما لحالنا و أكثر وعيا لما يحدق بنا من مخاطر.

لقد بدأت تتشكل منذ أيام بوادر دعوات لترشيح الأخ و الرئيس محمد ولد عبد العزيز، تطالب باسم جهات و باسم من يمثلها من أطر و وجهاء و فاعلين سياسيين و اقتصاديين، تطالب بمأمورية ثالثة سبيلا إلى إبقاء رئيس الجمهورية في دفة الحكم، و هذه المبادرات ليست أمرا غريبا و لا نشازا و ليست، بالنسبة لي، كفرا بالديمقراطية و لا بمبادئ التناوب السلمي على السلطة، و لا تمنع البلد من التطور و لا تقف حجر عثرة في نمائه و استقراره و ازدهاره، لأسباب عدة هي :

إن موريتانيا تعيش في مرحة من الوعي و مستوى من النضج الفكري و الثقافي يجعل كل هذه النخب لا تجتمع على غير مصلحة الوطن، لأن السبب الرئيس الذي يجعلها تخرج ليس الخوف، و الدليل على ذلك مستوى الحريات الذي وصل إليه البلد و الذي يمنع أي جهة من الوقوف في وجه حرية التعبير، أو أن تمنع حق أي مواطن في التعبير عن رفض أو قبول أي فكرة أو قرار سياسي أو حتى في مجالات أخرى، لأن التعبير حر و لأن الناس تعرف جيدا أنه ليس هناك ما يمنعها من التصريح كما تشاء بما تشاء من مواقف سواء ناهضت من خلالها السلطة أو سايرتها.

إن النخبة السياسية لهذا البلد بجهاته و قبائله و تياراته السياسية و الفكرية مدركة تمام الإدراك و متخوفة بشكل غير قابل للإخفاء من مصير البلد بعد انتخابات 2019  في حال إذا لم يترشح الرئيس محمد ولد عبد العزيز، لأن التجربة التي مرت بها موريتانيا في عهد الرئيس المدني سيدي ولد الشيخ عبد الله ما تزال قريبة من أذهان الناس و لا يخفى ما جرته تلك التجربة ـ رغم قصر فترة حكم الرجل ـ من مخاطر كادت أن تدخل البلاد في حرب أهلية بسبب القرارات الخطيرة التي تم اتخاذها على الصعيد السياسي و الاقتصادي خاصة قرار اقالة الضباط السامين و قرار بيع الشركة الوطنية للمناجم و الحديد ولما كان سيسببه ذلك القرار من مخاطر كبيرة و لما كان سيؤدي إليه من سلبيات جمة لم يكن يدركها سوى القائد محمد ولد عبد العزيز و زملاؤه الضباط السامون و قلة قليلة من النخب التي هبت لنجدة البلاد و انقاذها مما كان يتهددها من خطر الإرهاب و مخاطر عدم الاستقرار السياسي و لما تسببت فيه تلك النخبة الفاسدة التي أحاطت بالرئيس السابق و حاولت ادخال البلد في مخاطر كبيرة.

لولا هبة الرجل و لولا حكمة القادة العسكريين و اهتمامهم البالغ بمصالح البلاد و معرفتهم التامة بأسباب تلك القرارات و تلك الصراعات التي خلقتها "لوبيات" النظام آنذاك لكانت موريتانيا الآن في خبر كان لا قدر الله.

إن المشهد السياسي و تداعياته في الأعوام العشر الماضية كانت دائما ما تتسم بكثير من العدائية المشخصنة الموجهة من قبل تيارات فكرية مستوردة من فكر الإخوان المسلمين، مستخدمة أدوات غير اعتيادية و مستقلة حتى لمنابر المساجد و ووسائل الإعلام المرئية و الالكترونية، ما شحن الساحة في ظل سبات النخب التي كان من واجبها التصدي لهذا الفكر رغم انكشاف تلك الخطط العام 2011 من خلال محاولتهم العمل على استيراد الثورات إلى البلد و دعواتهم المتكررة للخروج على النظام و ادخال البلد في أتون البلابل و الفوضى.

ثم ما لبث أن بدأت دعوات أخرى لا تقل خطورة عن ذلك تدعوا إلى العنصرية و تميز بين أبناء الشعب الواحد في مسعى غير بريء من مطلقي تلك الدعوات لنيل ثقة الممولين الخارجيين الذين غالبا ما يضعون أيديهم في أيدي الحقوقيين ظنا منهم أنهم يدافعون عن حقوق الإنسان ـ و إن كان بعضهم كذلك ـ و يساهمون في تحريره من العبودية و غيرها من الممارسات التي و للأمانة حاربتها الدولة في ظل قيادة الرئيس محمد ولد عبد العزيز من خلال عدة إجراءات كانت ناجعة و آتت أكلها على المديين القريب و المتوسط.

لم يتوقف الأمر عند هذه الدعوات فكانت دعوة أخرى عنصرية لكنها من نوع خاص تدعوا تارة للانفصال و تارة أخرى تدعوا إلى التطرف و المساس من النسيج الاجتماعي مظهرة دعمها لأعراق تعتبر أنها مغبونة و ممنوعة الحقوق و تتهم الأنظمة السابقة بالعمل على استهداف تلك الأعراق و قتلها و تشريدها و التنكيل بأبنائها.

و لا يخفى في شأن ما تدعيه هذه المجموعة العنصرية ما استطاعت أن تحققه في الفترة ما بين 2005 و 2008 من مكاسب تمكنت من خلالها من المساس بأمن و مصالح البلد و سعت في المحافل الدولية إلى تشويه سمعة موريتانيا، إلى أن تمكن الرئيس محمد ولد عبد العزيز من السيطرة على الوضع من خلال خطوات مست في الصميم مناصري تلك الحركات فتم بتدخل منه اسكات تلك الأصوات المبحوحة من خلال إجراءات عملية جعلت المواطنين يعودون إلى وطنهم و مكنتهم من حقوقهم و ردت إليهم الاعتبار و اعطتهم كل الوسائل الممكنة للاندماج في الحياة النشطة و المساهمة في بناء الوطن.

إن كل تلك الدعوات لا تزيد خطورتها على دعوات المعارضة الصريحة للانقلاب على الدستور من خلال مظاهرات تحاول قلب نظام الحكم، و تعطيل العمل الحكومي و شل الحياة السياسية و الاقتصادية في البلد، و هو بالطبع ما باء بالفشل بسبب كشف الشعب لخدع تلك المجموعات و وقوفه في وجهها و مجابهتها بالصد و الرفض و هو الأمر الذي جعل تلك الدعوات تبوء بالفشل و تتوقف عند أفواه أصحابها، و لم يكن ذلك ليتحقق لولا وعي و حكمة السيد الرئيس و لولا حسن تعامله مع الأزمات و تلك الحملات التي تستهدف الوطن برمته أكثر من استهدافها للنظام الحاكم.

اليوم و نحن نقف على أعتاب العام الجديد 2019 التي يفترض فيه أن يكون الخطوة ما قبل الأخيرة لبدء مرحلة جديدة من حياة هذا الشعب سينعم خلالها بالرخاء و بالخير الوافر حيث ستتحول موريتانيا إلى نادي أكبر مصدري الغاز في العالم، و هو ما يحتاج إلى الاستقرار السياسي و يحتاج أكثر إلى بقاء قائد ربان السفينة في مكانه خوفا من الأمواج التي تصحب مثل هذه التحولات الاقتصادية الكبرى في الدول و خوفا أيضا من أن يلتهم الحوت الكبير الذي غالبا ما يتبع الأنظمة الانتفاعية مصادر رزق هذا الشعب.

لذلك و بناء على ما سبق فإنه من الضروري الإحساس بالمسؤولية تجاه الشعب و الوقوف بحزم و قوة في وجه كل ما من شأنه أن يمنع فتح المأموريات، لما لذلك من ضرورة ملحة في بقاء الرئيس محمد ولد عبد العزيز على رأس السلطة قائدا محل ثقة تشهد إنجازاته العملاقة و بصيرته و رؤيته و أدواره و اختياره لمعاونيه و جديته في خدمة الوطن و أسلوبه الفذ في قيادة موريتانيا في العشرية الأخيرة، كل ذلك مجتمعا يشهد و يشفع له في أن يبقى، لا لمصلحته الشخصية بل لمصلحة الوطن و الشعب و لضمان عبور موريتانيا إلى بر الأمان في مرحلة خطيرة و ظرفية دولية معقدة و تحولات اقتصادية كبيرة تشهدها موريتانيا تستدعي أن تبقى سائرة في نفس الطريق لا أن تسلك طريقا آخر لسنا نضمنه و لا نعرف عنه شيئا.