مساحة إعلانية

    

  

الفيس بوك

التقطيع الإداري للتراب الموريتاني عملية تحتاج المراجعة / محمد الأمين ولد لمات

أربعاء, 08/12/2015 - 19:08

إن إعادة التقطيع الإداري والبلدي خصوصا مطلب الكثير من المواطنين والنخب، وفي كل مرة تطلق الشائعات أن الدولة الموريتانية بصدد مراجعة لعملية التقطيع الترابي ولا نرى لذلك أي مؤشر ميداني يثبت صحة ذلك أو ينفيه - باستثناء مقاطعتي انبيكت لحواش والشامي اللتين تم إنشاؤهما حديثا- لكننا على يقين من أن التحولات المجالية  الحاصلة على مستوى المعطيات الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية، التي عرفتها البلاد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أصبحت تفرض إعادة النظر في التقسيم البلدي بغية تقريب الإدارة أكثر من المواطنين، وتعميق أسس الديمقراطية الحقة، وتمكين البلديات من القيام بدور أهم على مستوى التنمية المحلية.

فإذا ما  نظرنا  إلى التجارب المحلية في  المحيط الإقليمي، وخصوصا التجربة المغربية نجد أنه تمت إعادة النظر في عملية التقسيم الترابي للجماعات المحلية بالمغرب بمقتضى مرسوم صادر من وزارة الداخلية بتاريخ 17 اغسطس 1992 الذي اقر بالزيادة في عدد الجماعات المحلية القروية والحضرية استنادا بالأساس على العدد الإجمالي للسكان، وكان من الأهداف الأساسية لهذا التقسيم هو الزيادة في تربيع المجال قصد تكثيف تاطير ومراقبة السكان، هكذا انتقل مجموع عدد الجماعات القروية بالمغرب من 760 جماعة سنة 1981 إلى 1298 جماعة سنة 1992، وتبعا لذلك تقلص  معدل مساحة الجماعة القروية من 829 كلم2 إلى 482كلم2. وبالتالي فإن التراب الموريتاني الذي تبلغ مساحته 1.030.700كلم2 ولا يؤطر تقسيمه الترابي مواطنيه بسبب قلة بلدياته (216 بلدية) قابل لعملية من هذا النوع، حتى يتم القضاء على بعض مظاهر التهميش التي لا تخدم تحقيق تنمية شمولية متوازنة لمختلف أطراف المجال.    فإذا كان البعض من البلديات قد تشكل فوق أرضية ذات جذور إدارية قديمة موروثة عن المستعمر الفرنسي فان بعضها الآخر لم ير النور قبل بعث التجربة اللامركزية 1986، وهو الجيل الذي يبدوا أنه أكثر حاجة من غيره إلى تهيئة الظروف الملائمة لضمان إعادة بنائه على أسس سليمة. لقد اكتفى المشرع الموريتاني أن نص في الأمر القانوني رقم 87/289 بتاريخ 20 أكتوبر 1987 على أن البلدية مجموعة ترابية تتمتع بشخصية اعتبارية، وتتمتع باستقلال مالي كذلك. وفي إطار تنفيذ الصلاحيات الموكولة إليها تملك ميزانيتها وأشخاصها ومجالها الترابي، وتتساوى في ذلك البلديات الحضرية والريفية وأن"أي تجمع يمكن أن يطلب تحويله إلى بلدية" فهذا هو الشرط الضروري الأوحد لإنشاء بلدية جديدة، دون الرجوع إلى الاعتبارات الاقتصادية والديمغرافية، والطبيعية والتاريخية والثقافية بما فيه الكفاية . أما من حيث الشكل فإن البلديات تنشأ عن طريق مرسوم صادر عن مجلس الوزراء. وعلى اثر ذلك انطلق إذا مسلسل التقطيع الترابي المحلي وتأسيس البلديات سنة 1986 بإنشاء بلديات الجيل الأول على مستوى عواصم الولايات، (13بلدية) ثم توسع بعد ذلك في الجيل الثاني ليشمل عواصم المقاطعات 1987(53 بلدية)، قبل أن يكتمل بإنشاء بلديات الجيل الثالث (163بلدية) على مستوى القرى والأرياف سنة 1988. إلا أن الطابع المقتضب للنص القانوني والنقص الملحوظ في التحضير له، لم يوفرا لهذا للتقطيع أسسا قوية يرتكز عليها. فقد تم إخفاء معايير الإدارة المحكمة لصالح اعتبارات سياسية واجتماعية وأمنية أحيانا، وكانت التوترات التي تحدث بين القبائل والمجموعات بسبب ذلك مؤثرة مما شجع في بعض الأحيان على اختيار مقرات البلديات في حالات كثيرة لإرضاء أسر وشخصيات وزعامات تقليدية مؤثرة، مما يوحي بمدى تأثير الفاعلين السياسيين والوجهاء في عملية هذا التقطيع آنذاك . كما أن التركيز على اعتبار المعيار الديمغرافي  في بلد ذو كثافة سكانية ضعيفة أدى إلى قلة عدد البلديات، ووسع المجال الترابي لبعضها الآخر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالبلديات الريفية، وعلى العكس من ذلك فان البلديات الحضرية التي غالبا ما تكون في عواصم الولايات والمقاطعات وهي المأهولة سكانيا والمهيكلة اقتصاديا وتتوفر على موارد محلية تشكل قدرات يمكن أن يستفيد منها أكبر عدد من المواطنين فمن غير المنطقي اليوم - في ظل تبني نهج الديمقراطية والحكامة الجيدة- أن تقتصر الاستفادة منها على سكان المدينة دون غيرهم من سكان المناطق الريفية المجاورة، والمتواجدين جغرافيا في نفس الدائرة المحلية، وهو أمر ربما جعل أغلب الدراسات الحديثة التي اهتمت بدراسة مواضيع ذات علاقة بعملية التقطيع البلدي الحالي تتفق في مجملها على نقد صريح لشكل ومضمون هذا التقطيع "المرتجل" والمبني على اعتبارات غير موضوعية، تختلف من مكان إلى آخر، والتي تبين مدى ضعفها وعدم قابليتها للاستمرار. إن التقطيع البلدي الذي تم التنظير له في البداية بصفة مرتجلة أدى بالإضافة إلى طابعه البنيوي اللامتكافئ إلى عدم التجانس بين البلديات، خاصة من حيث المساحة والسكان والموارد والخدمات، مما جعله يبدو غير مرضي بالنسبة لجميع الفاعلين  المهتمين بالتنمية المحلية، إذ تم توجيهه لصالح مجموعات اجتماعية وسياسية وقسم مجالات جغرافية منسجمة، وفصل بين بعض المجموعات، محدثا بذلك خلافات جديدة داخل البلديات المنشاة بهذه الطريقة، وبالتالي فإن هذه الخلافات لا تشجع التنمية المحلية بل تحرمها من مواردها الجبائية، ضف إلى أنها تعمل على تهميش بعض المجموعات السكانية في أغلب الأحيان. ويمكن تلخيص أهم النتائج الناجمة عن هذا التقطيع فيما يلي: • أفضت عملية التقطيع إلى وجود بلديات ذات مساحات شاسعة جدا ولا يوجد بها سوى كم قليل من السكان والعكس صحيح، ومثالنا على ذلك هو أن بلدية انتيركنت بولاية آدرار تبلغ مساحتها الإجمالية قرابة 1000كلم2 ولا تتجاوز ساكنتها 3000 نسمة، مما يعني وجود كثافة سكانية لا تتجاوز 4 ساكن/كلم2، في الوقت الذي نجد فيه أن بلدية عدل بكرو بولاية الحوض الشرقي يفوق عدد سكانها 37000 نسمة. • أصبح هناك مواطنون لا ينتمون لأي حيز بلدي. بمعنى أن عملية التقطيع لم تغط التراب الوطني، بل عملت على تهميش مجموعات سكانية وحرمتها بشكل فعلي من الاستفادة من حقوقها المدنية والنفاذ إلى الخدمات العمومية. وهي ظاهرة توجد في عدة مقاطعات من البلاد هي: بئر أم اكرين - أفديرك - انشيري وولاته، وهذه الأخير ة لا توجد بها سوى بلدية واحدة، في حين أنه توجد بها ساكنة غير مبلدنة يفوق عدد سكانها سكان الدائرة البلدية الموجودة. •  وجود ساكنة لا تعرف إلا القليل عن مقر بلدياتها ولا تلجا إليه إلا نادرا بسبب مشكل العزلة، لذا تجد نفسها محرومة من الولوج إلى الخدمات البلدية إن كانت موجودة أصلا. • أصبحت هناك بلديات ريفية تضم تجمعات سكانية متفرقة تفصل بينها حواجز طبيعية تودي إلى عدم التواصل فيما بينها بشكل نهائي، مما يودي إلى استغلالا مجال بلديات أخرى مجاورة من أجل النفاذ إلى مقر البلدية الذي قد يحتاج السكان إلى التنقل إليه قصد الحصول على أوراقهم المدنية أو التسجيل على لوائح الانتخابات. وهذه في الأساس هي الحالات التي يتوجه فيها الريفي إلى مقر بلديته لأن ما سوى ذلك لا ينتظره منها، وهذه الحالة وقفنا عليها في قرى وادي آمرجل ووادي أم الخز التابعة لبلدية أغورط والتي تبعد عنها مسافة 70 كلم ولا تتواصل معها إلا عن طريق كيفه العاصمة المركزية لولاية لعصابه التي تبعد هي الأخرى عنها مسافة 80 كلم، مما يعني أن سكان هذه القرى عليهم أن يقطعوا مسافة 130 كلم من أجل الوصول إلى مقرات بلدياتهم، على اعتبار أن المسافة ما بين كيفه وأغورط تصل 50 كلم وتظل هذه الظاهرة شائعة بشكل واسع النطاق في ولايات انشيري وآدرار في شمال البلاد مما يستدعي إعادة النظر في هذا التقطيع برمته.