مساحة إعلانية

     

    

    

  

الفيس بوك

الدكتور لو غورمو عابدول يكتب: غلاء المعيشة: التشديد النقدي ينذر بتفاقم الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية

في 28 أكتوبر 2026، قرر البنك المركزي الموريتاني رفع سعر الفائدة الرئيسي من 6.75% إلى 7.25%، كما رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي المفروض على البنوك من 8% إلى 15%. وبعبارة أوضح، فإن كل بنك أصبح ملزماً بإيداع 15 أوقية من أصل كل 100 أوقية من الودائع لدى البنك المركزي، بدلاً من 8 أواقٍ سابقاً. وهذا يعني تجميد جزء أكبر من أموال البنوك، بحيث لا يعود بإمكانها إقراضه. والهدف المعلن من هذا الإجراء هو احتواء التضخم الذي ارتفع، وفقاً للأرقام الرسمية، من 4.1% في ديسمبر 2025 إلى 9.3% في سبتمبر 2026.

ويأتي هذا القرار في ظرف تعيش فيه البلاد أصلاً أوضاعاً بالغة الصعوبة. فالجفاف يشتد، والمراعي تتناقص. وفي المناطق الشرقية، تحول الأوضاع الأمنية المتدهورة في مالي، بصورة تكاد تكون كاملة، دون وصول منميننا إلى مناطق الترحال التقليدية؛ الأمر الذي جعل قطعانهم، التي تمثل مدخرات أسر بأكملها، عرضة للنفوق أو للبيع بأثمان بخسة. أما في الضفة، فيعيش المزارعون حالة من التوتر الدائم دفاعاً عن أراضيهم، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف الإنتاج. وهكذا تشهد مناطق بأكملها انهياراً في مداخيلها.

إن جعل القروض أكثر تكلفة وامتصاص السيولة النقدية يمثلان حلاً تقليدياً للحد من التضخم. غير أن هذا الإجراء، وإن بدا صارماً من الناحية التقنية، لا يحقق سوى نتائج محدودة، ولا يلبث أن ينعكس بصورة أساسية على الفئات الأكثر ضعفاً: المؤسسات الصغيرة، والتجار، والمنتجون، والأسر. في حين أنه لا يمس بالقدر نفسه حفنة من كبار الفاعلين الذين يهيمنون على قطاعي الاستيراد والتمويل، وهم في الغالب الأشخاص أنفسهم. وهكذا يصبح المنمون والمزارعون، الذين هم في أمسّ الحاجة إلى التمويل لمواجهة الأزمة، أول ضحايا هذا التوجه.

ذلك أن التضخم في بلادنا يعود، في المقام الأول، إلى طبيعة اقتصادنا المنفتح على الخارج والمعتمد على الواردات، كما يقر البنك المركزي نفسه، فضلاً عن تراجع إنتاجنا المحلي. ومن الواضح أن ارتفاع تكلفة القروض لن يخفض الأسعار في الأسواق العالمية، ولن يستنزل المطر من السماء. بل قد يؤدي، على العكس من ذلك، إلى زيادة تكاليف المستوردين والمنتجين، الذين سيعمدون بدورهم إلى تحميل المستهلكين هذه الزيادات. فأي ثمن سيدفعه النشاط الاقتصادي والتشغيل جراء ذلك؟ وعلى من ستقع الأعباء بصورة أكبر؟

إن هذه المعاناة لم تعد مكتومة. فالشباب الطلابي يصعّد من إضراباته ومظاهراته، ليواجه بقمع عنيف. غير أن القمع لا يطفئ الغضب، بل يزيده اشتعالاً. وهناك خطر حقيقي من انتقال هذه التوترات إلى الأوساط العمالية.

ومرة أخرى، لا يمكن للسياسة النقدية أن تكون بديلاً عن معالجة شاملة لمشكلة غلاء المعيشة. إذ يتعين على الحكومة أن تنتهج سياسة اقتصادية وطنية حقيقية، تقوم على الاعتماد على القدرات والإمكانات الذاتية للبلاد، من خلال:

- وضع خطة استعجالية لدعم قطاعي التنمية الحيوانية والزراعة الأسرية، مع توفير الحماية والأمن للمنمين في المناطق الشرقية.
- حماية أراضي مزارعي الضفة، وتقديم دعم قوي ومتعدد الأشكال لهم في مواجهة المتربصين بالعقار والأراضي الزراعية.
- مكافحة الممارسات المنافية للمنافسة في مسالك الاستيراد والتوزيع.
- تقديم مساعدات موجهة ومسؤولة وذات أثر تمكيني للأسر الهشة والمحدودة الدخل.
- وقف القمع، وفتح حوار جاد مع الشباب والشركاء الاجتماعيين حول ظروف المعيشة ومتطلبات الحياة الكريمة.
- ترشيد نفقات الدولة غير المنتجة، ووضع حد للفساد واختلاس المال العام.

كما ينبغي أن تكون الشفافية هي القاعدة الحاكمة، وذلك من خلال نشر المعلومات المتعلقة بالأسعار، والتكلفة الفعلية للقروض، وحجم التمويلات الموجهة إلى المؤسسات الصغيرة والمنتجين الصغار.

إن مكافحة التضخم أمر لا غنى عنه، لكن الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين لا يتحقق إلا من خلال دعم الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحقيق توزيع أكثر إنصافاً لثرواتنا الهائلة، بما يخدم الجماهير الشعبية والطبقات الوسطى التي أصبحت تعاني بدورها من الهشاشة الاقتصادية.

أما إذا غابت هذه المعالجة الشاملة، فإن التشديد النقدي الذي توصي به سلطاتنا النقدية قد لا يؤدي إلا إلى إضافة مزيد من الهشاشة إلى معاناة غلاء المعيشة، أو، في أحسن الأحوال، لن يكون سوى إجراء تقني آخر لا يترك أثراً حقيقياً في حياة المواطنين.

اثنين, 02/11/2026 - 11:09