مساحة إعلانية

     

    

    

  

الفيس بوك

ديدي ولد امحمد يكتب: "موريتانيا.. فن الإبحار بين الأمواج"

ليست الجغرافيا دائما نعمة خالصة، ففي بعض مواسم التاريخ، تصير الجغرافيا امتحانا عسيرا، وعبئا ثقيلا على كاهل الدول التي تكتب لها الحياة على مفارق الطرق، وملتقى الأمواج. وموريتانيا، تلك الصخرة الجالسة بوقار بين أحضان إفريقيا والعرب، تقف اليوم في فضاء تتصارع فيه رياح الشرق والغرب، وتتلاطم عند تخومها أمواج التوجس الإقليمي وحسابات القوى الكبرى.

وفي مثل هذا المحيط المضطرب، لا تقاس حكمة الدول بعدد السفن الراسية في موانئها، ولا بمدى قربها من عروش القوة، وإنما بقدرتها على صون استقلال قرارها، والإبقاء على دفة سفينتها في أيديها. فالدولة الحكيمة هي التي لا تسمح لجغرافيتها بأن تتحول من مصدر للامتداد والتواصل إلى عبء يثقل حركتها، أو إلى منفذ تتسلل منه أطماع الآخرين.

لقد نظرت موريتانيا إلى جوارها الإقليمي المضطرب بعين تدرك طبيعة التحولات وتعقيدات المشهد، حيث تتبدل موازين القوى كما تتحرك الرمال، وتتغير التحالفات بتغير المصالح. فلم تندفع إلى أتون الصراعات، ولم تجعل من اضطرابات الجوار ذريعة للانخراط في مواجهات لا تملك وحدها رسم نهاياتها. كما حرصت على ألا تنتقل خلافات المنطقة إلى علاقاتها مع جيرانها، فاختارت أن تحفظ جسور التواصل، وأن تصون علاقاتها مع الجميع، وأن تترك أبوابها مفتوحة للحوار، دون أن تفرط في أمنها أو استقلال قرارها.

وهنا يتجلى فن التوازن، فلا هي انعزلت عن العالم كناسك في صومعته، ولا باعت نفسها لصراعاته كعبد في سوق النخاسة. ولا جعلت صداقتها لقوة كبرى سببا لقطع حبال الود مع جار قريب. إنها تحتفظ بمسافة محسوبة، تتيح لها أن تبتسم للجميع، وأن تقول "نعم" حين تنطق المصالح بلسان الصدق، وأن تصمت أو تتحفظ حين تلوح في الأفق غيوم المخاطر.

فالدول، لا تتحرك بقلوب تلهث وراء العواطف، بل بميزان المصالح والحسابات. لا تتوهم الدول أن من يمد يده إليها اليوم سيضمد جراحها غدا إذا اشتدت بها المحن. ففي مسرح السياسة، لا تحالفات بريئة من أثمانها، ولا اصطفافات بمعزل عن المكاسب والخسائر. وكم من الرجال والدول رهنوا أنفسهم لقوة الآخرين، فوجدوا أنفسهم وحدهم، غرباء في غياهب الظلام، عندما تبدلت الأولويات واختلفت الحسابات.

لقد أدركت موريتانيا هذه الحقيقة من عمق وعيها السياسي، فرفضت أن تكون حطبا في معارك لا تملك وحدها أن تخمد نيرانها، أو أن تبيع صمت جوارها بمكاسب ظرفية زائلة، ثمنها أغلى من عائدها. فضلت أن تصون حدودها، وأن تحفظ ماء وجه جيرانها، وأن تبقي أبوابها مفتوحة للقاصي والداني، لأنها تعلم في قرارة نفسها أن سلامة القرار أرفع شأنا من صليل السيوف، وأن تجنب العاصفة أحيانا أبلغ من خوض غمارها.
والله أعلم بالصواب، وإليه المصير.

أحد, 01/11/2026 - 00:07