مساحة إعلانية

     

    

    

  

الفيس بوك

بين قدسية المودة و جفاف العقود أي اتجاه تسلكه الأسرة المعاصرة؟/ بقلم: اباي ولد اداعة

تتسارع في مجتمعاتنا اليوم التحولات الفكرية و الاجتماعية لتطرق الأبواب الأكثر تحصيناً، وعلى رأسها مؤسسة الأسرة. وحين يرتفع صوت داخل البرلمان أو المنصات العامة ليعلن أن الزوجة ليست خادمة، وأن الزواج عقد متعة مقابل نفقة و ليس عقد خدمة ، يشتعل جدل واسع لا يقف عند حدود القانون، بل يمس عمق المنظومة القيمية و الروحية للمجتمع المستمدة من الشريعة الإسلامية السمحاء ،
هذا الطرح المثير للجدل يضعنا أمام مفارقة غريبة ، فالصياغة القانونية الجافة التي تختزل الزواج في نفقة مقابل استمتاع هي في الأصل صياغة مستمدة من بواطن الفقه الموروث في أبواب المعاملات، حيث حرص الفقهاء قديماً على التحديد الإجرائي للحقوق والواجبات منعاً للظلم. لكن إسقاط هذه التعريفات التفكيكية اليوم في سياق معاصر يُراد به أحياناً التحرر من الأعباء التقليدية، يرى فيه كثيرون وجهاً آخر لطغيان المادية الحديثة التي تحوّل كل علاقة إنسانية إلى معادلة تجارية (ثمن وسلعة، أجر و منفعة)، مما يهدد بإفراغ الأسرة من معناها الروحي ويقود المجتمع نحو فردانية عبثية لا مكان فيها للتضحية أو السكن.
إننا هنا أمام مواجهة بين منظورين : 
منظور مادي إجرائي يبحث عن الحقوق المجردة وينزع عن العلاقة قدسيتها، 
و منظور مقاصدي إسلامي يرى الزواج أسمى من أن يُقاس بلغة الأرقام والمبادلات المادية. فالنص القرآني لم يفرش الحياة الزوجية بلغة العقود، بل جعل أركانها المودة والرحمة و السكن، وهي قيم تتجاوز حدود الواجب القانوني إلى آفاق الفضل والإحسان. كما أن السنة النبوية الشريفة التي عظّمت حق الزوج ومكانته لحفظ استقرار القيادة الأسرية، هي ذاتها التي جعلت معيار خيريّة الرجل مرتبطة بحسن معاملته لأهله، وكان صاحبها ﷺ نموذجاً في خدمة بيته ومعاونة زوجاته.
إن إثارة هذه السجالات تعكس مخاضاً فكرياً عميقاً يعيشه الإنسان المعاصر. والخشية الحقيقية ليست من المطالبة بالحقوق، بل من الانزلاق نحو تسليع الرابطة الزوجية، فمتى ما تحولت الأسرة إلى شركة تجارية يُحسب فيها الفضل بالدراهم تلاشت روح الأسرة وحلّت مكانها الجفوة. إن حماية المجتمع تبدأ من إعادة الاعتبار لمقاصد الشريعة العليا التي توازن بين حفظ الحقوق القانونية للمرأة، وبين إبقاء المظلة الأخلاقية و الروحية التي تجعل من البيوت سكناً لا ساحة منازعات.
إن إصرار الخطاب العولمي المعاصر على تفكيك الرابطة الزوجية، واختزالها في معادلة جافة قوامها منفعة مادية مقابل متعة جسدية ، يمثل أسمى تجليات طغيان المادة على المعنى. هذا الفكر النفعي الفرداني لا يرى في الأسرة سكنًا للنفس، بل شركة تجارية يتحدد نجاحها بحجم المكتسبات المادية، وبما يجنيه كل طرف من حقوق مجردة. هذا التحول ليس مجرد تحرر فكري، بل هو استسلام لمنطق العولمة التي تريد تحويل الإنسان إلى كائن استهلاكي منفصل عن قيمه، مما يؤدي بالضرورة إلى إفراغ الحياة من معناها، والانزلاق نحو عبثية اجتماعية تقوض أركان الاستقرار الأسري.
وفي مواجهة هذا الجفاف المادي المعاصر، يبرز المنظور المقاصدي القرآني كطوق نجاة وحصن قيمي متين. فالقرآن الكريم لم يؤسس العلاقة الزوجية على لغة العقود والمقايضات المادية، بل جعل أركانها ثلاثية ممتدة في عمق الروح الإنسانية : السكن، والمودة، والرحمة (كما في قوله تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ). إن المقصد الأسمى للنص القرآني هو تحويل البيت إلى واحة من السكينة النفسية والرحمة المتبادلة، وهي قيم أسمى وأعظم من أن تُقاس بالدراهم، أو تُختزل في خدمة أو منفعة.
إن الشريعة الإسلامية عندما نظمت الحقوق المالية كالنفقة، لم تفعل ذلك لتجعلها ثمنًا لمعاملة، بل لتكون وسيلة لحفظ الكرامة واستقرار السفينة الأسرية تحت مظلة الفضل والإحسان (وقد قال تعالى: ( وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ). ومن هنا، فإن استدعاء النصوص الدينية التي تحث على الطاعة المتبادلة وحسن العشرة، كقوله ﷺ: "خياركم خياركم لنسائهم"، يأتي ليؤكد أن المقياس الحقيقي في الإسلام هو نبل الأخلاق والتضحية، وليس الأنانية القانونية التي تُفتِش في الدفاتر عن حدود الواجب الأدنى.
إن تحصين بيوتنا اليوم من جفاف المادية وعواصف العولمة يتطلب عودة واعية إلى المقاصد القرآنية العليا. يجب أن ندرك أن قوة الأسرة لا تكمن في صرامة الشروط المادية لعقودها، بل في عمق المودة والرحمة التي تظلل جدرانها. فالبيوت لا تُبنى بلغة الأرقام والمكاسب، 
بل بروح السكن والتكامل التي تجعل من الزواج رباطاً مقدساً يسمو فوق عابرات المادة ليمنح الحياة معناها الحقيقي.
تأسيسا لما سبق لا ينبني الزواج الإسلامي على الحرفية القانونية الجافة أو البحث في حدود العقود، بل هو واحة سكن تنصهر فيها الحقوق بالواجبات؛ لتغدو خدمة الزوجة لبيتها تقرباً ومودة، ونفقة الزوج تكرماً ومروءة، لا ثمناً للاستعباد أو السيطرة.
هذا الفهم المقاصدي يتجلى بأبهى صوره عند إسقاطه على مجتمع البيظان؛ حيث يُعاد تشكيل المعاشرة بالمعروف عبر مصفاة العرف والشهامة البدوية الأصيلة. فالنفقة في هذا المجتمع هي اختبار لمروءة الرجل و فتوّته ، وتُقابل برفض مجتمعي حاسم إذا ما استُغلت للإذلال أو فرض السلطوية. و في المقابل تُعفى المرأة تاريخياً وعرفا من الخدمة الشاقة، ليصبح إشرافها على بيتها وتوددها لزوجها نابعاً من التراحم والتكامل، لا من منطق السُّخرة والالتزام الجاف.
إن الزواج لدى البيظان يترفع عن الخصومة القانونية والمحاكم، ويلجأ عند الخلاف إلى التحكيم العائلي القائم على الستر و مراعاة الخواطر ، لتبقى العلاقة الزوجية واحة يحميها الدين وتزكيها قيم المجتمع، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة.
   حفظ الله البلاد و العباد

 

جمعة, 30/10/2026 - 18:00