مساحة إعلانية

     

    

    

  

الفيس بوك

الجامعة الموريتانية بين مطرقة العزلة الجغرافية و سندان المقاربة الأمنية /بقلم: اباي ولد اداعة

تظل فكرة تشييد جامعات وطنية بمواصفات دولية وجماليات معمارية حديثة خطوة رائدة في مسار تطوير التعليم العالي بموريتانيا. ومع ذلك، فإن اختيار البقعة الجغرافية لبناء هذه الصروح العلمية يطرح إشكالية تنموية واجتماعية بالغة التعقيد؛ حيث تحول إبعاد المركب الجامعي الجديد عن قلب العاصمة نواكشوط إلى عائق حقيقي يهدد المستقبل الأكاديمي لشريحة واسعة من الطلاب، وفي مقدمتهم الفتيات.
إن بناء صرح علمي شامخ في أطراف المدينة يفرض على الطلاب رحلة يومية شاقة، تتطلب عبور نواكشوط طولاً وعرضاً ذهاباً وإياباً. هذه المسافات الطويلة لا تستهلك الوقت والجهد البدني فحسب، بل تُترجم مباشرة إلى أعباء مالية باهظة ترهق كاهل الدولة في تأمين النقل، وتستنزف جيوب الأسر، لاسيما تلك المنحدرة من الفئات الهشة والمناطق البعيدة.
أما الوجه الأكثر قتامة لهذه المعضلة الجغرافية، فيتجلى في التهديد المباشر لسلامة العنصر النسوي. فالرحلات اليومية المنهكة في وسائل النقل العام، والمخاطر الأمنية المصاحبة للمسافات النائية، دفعت العديد من الأسر المحافظة والفقيرة إلى العزوف عن إرسال بناتها للجامعة، مما تسبب في ارتفاع مقلق لمعدلات التسرب الجامعي بين الفتيات وحرمانهن من حقهن في مواصلة التعليم.
وهنا يبرز مقترح وجيه كان بإمكانه تغيير هذه المعادلة: ماذا لو تم استغلال مساحة المطار القديم في قلب العاصمة لاحتضان هذا المشروع الاستراتيجي ؟
لو أقيم هذا المركب الجامعي في فضاء المطار القديم، لكان موقعاً مناسباً وعادلاً للجميع سيوفر الوقت و الجهد و يحُد من الأعباء المالية الكبيرة و الكبيرة جدا علي خزينة الدولة  ،  
فمن جهة، يمثل المركز نقطة التقاء سهلة الوصول لكل سكان مقاطعات نواكشوط، مما يوفر بيئة تعليمية آمنة وقريبة تحمي الطالبات وتطمئن عائلاتهن. ومن جهة أخرى، كان هذا الخيار سيحمي أبناء الأسر الضعيفة من الإقصاء غير المباشر، ويضمن استمرارهم في الدراسة دون تحمل تكاليف فوق طاقتهم، علاوة على إضفاء لمسة حضارية و معرفية على وسط العاصمة بدلاً من تركه للتوسع العقاري التجاري.
إن العدالة التعليمية لا تتحقق فقط بجودة المناهج وفخامة المباني، بل تبدأ أولاً بتسهيل النفاذ إليها وضمان أمن وسلامة من يرتادونها. وفي ظل الواقع القائم للمركب الحالي خارج المدينة، أصبح من الضروري على صناع القرار التفكير في حلول بديلة وعاجلة؛ مثل توسيع الأحياء الجامعية المخصصة لسكن الطلاب و الطالبات وتأمين خطوط نقل مجانية ومباشرة، أو حتى إعادة استغلال أجزاء من المطار القديم لإنشاء كليات فرعية و معاهد جامعية تقرب العلم من منازل المواطنين وتصون أحلام بناتنا نحو غد أفضل.
 إن تسارع الأحداث داخل المركب الجامعي بجامعة نواكشوط، يضع المنظومة التعليمية و الأمنية أمام اختبار حقيقي ومعقد؛ حيث تجد الجبهة الطلابية للدفاع عن الحقوق والمكتسبات نفسها في مواجهة ثنائية حادة ، الدفاع عن شرعية مطالبها الاجتماعية، والتبرؤ من أعمال العنف و التخريب التي رافقت الحراك وفتحت الباب أمام التدخل الخشن لقوات الشرطة.
من جانبه، يسعى الخطاب الطلابي الرسمي إلى التمسك بأدبيات النضال السلمي الراقي ، باعتبار الجامعة و الوطن ملكاً عاماً تجب حمايته، مع تحميل وزارة التعليم العالي المسؤولية الكاملة عن عسكرة الجامعة وترهيب الطلاب. 
إلا أن دخول عناصر تخريبية على خط الاحتجاجات، وقيامها بتهشيم الممتلكات العامة، منح السلطات المبرر القانوني والأمني للتدخل الحازم لفرض النظام وحماية المنشآت، مما أدى إلى صدامات عنيفة و استخدام الغاز المسيل للدموع داخل الحرم الجامعي.
يضع هذا التطور المشهد أمام مفترق طرق خطير فقمع الشرطة وإن بدا استجابةً لأعمال الشغب، إلا أنه يهدد بتأجيج الغضب الطلابي وتوسيع دائرة الاحتقان. 
إن الخروج من نفق هذه الأزمة يتطلب التزاماً صارما 
 بعزل العناصر التخريبية من طرف الحركات الطلابية لإضفاء المصداقية الكاملة على نضالها السلمي
إن الربط الموضوعي بين أزمة بُعد المسافة والمقاربة الأمنية داخل جامعة نواكشوط يكشف أن الإشكالية الأولى هي المغذي الأساسي للثانية ، فالجغرافيا النائية للمركب الجامعي لم تكن مجرد تفصيلة مكانية، بل تحولت إلى ضاغط يومي ولّد بيئة خصبة للاحتقان. عندما يعاني الطالب الموريتاني  والآباء من خلفه  لتأمين كلفة النقل أو قضاء ساعات طوال في الطوابير ورحلات العبور الشاقة، فإن ذلك يشحن النفوس بطاقة من الإحباط والإنهاك البدني والنفسي.
هذا الإنهاك اليومي، المقرون بشعور الإقصاء الاجتماعي وغياب الخدمات الأساسية كالسكن والنقل المريح و بأسعار في متناول الجميع حوّل البيئة الجامعية إلى برميل بارود قابل للانفجار عند أول شرارة مطلبية. ومن هنا، يصبح الحراك الطلابي الحاد صدىً مباشرا لمعاناة المسافة، حيث تندفع الجبهات الطلابية للدفاع عن حقوق تبدو بديهية لكنها أصبحت مستعصية بسبب جدار الجغرافيا.
بالمقابل، فإن لجوء السلطات للمقاربة الأمنية وعسكرة الحرم الجامعي ردا على الاحتجاجات أو التخريب المصاحب لها يمثل علاجاً للمظاهر لا للأسباب. إن فض الشغب بالغاز المسيل للدموع لن يحل معضلة الساعات الأربع التي يقضيها الطلاب و الطالبات يومياً في الحافلات، ولن يخفف الأعباء المالية عن الأسر الضعيفة.
بناءً على ذلك، يتضح أن نفق الأزمة الجامعية الحالية لن ينجلي بالقبضة الأمنية، بل برؤية تنموية جريئة تبدأ من الجغرافيا وتنتهي بالحوار. إن تفكيك جدار الإقصاء الجغرافي عبر حلول لوجستية بديلة و تأمين فضاءات قريبة كالمطار القديم أو التوسع في السكن الداخلي الآمن للفتيات، هو الضمانة الحقيقية لإعادة السكينة لمركب نواكشوط العلمي، وتحويله من ساحة صدام أمني إلى منارة للبناء المعرفي والعدالة الاجتماعية.

     حفظ الله موريتانيا 
      

ثلاثاء, 27/10/2026 - 20:52