مساحة إعلانية

     

    

    

  

الفيس بوك

التكوين المهني ورهان السوق: من تجربة الميدان إلى تحديث المنظومة ومواكبة الطفرة الاقتصادية

​من يتجول اليوم في شوارع العاصمة نواكشوط ومناطقها الصناعية والتجارية يلحظ طفرة عقارية واقتصادية متسارعة، تجسدها المنشآت الفولاذية والمخازن الحديثة والمخابز الآلية ومحطات الوقود وأنظمة التبريد والتكييف المتقدمة.

​تدعو هذه النهضة العمرانية الممارس الميداني والمتابع عن قرب إلى التأمل في هيمنة اليد العاملة الوافدة على مفاصل التشغيل والقيادة الفنية؛ إذ تشير التقديرات الميدانية غير الرسمية إلى استئثار العمالة الأجنبية بنسبة 70% إلى 80% من الوظائف الفنية المتخصصة في بناء الهياكل الفولاذية وتجهيز المخازن وتركيب وتشغيل تقنيات المخابز والمحطات وأنظمة التكييف، مقابل حضور محلي محدود أو مقصور على أعمال يدوية تقليدية.

​بذل القطاع الوصي والمؤسسات المعنية بالتكوين المهني جهوداً مقدرة لتطوير البنية التحتية وافتتاح مراكز جديدة، بيد أن سرعة تحول سوق العمل فاقت وتيرة التحديث القياسية.

​تختصر تجربتي الميدانية هذه الفجوة الهيكلية؛ فبصفتي أحد خريجي مركز التكوين والتدريب المهني دفعة 2002 في تخصص التبريد والتكييف، والحاصل على المرتبة الأولى بمعدل 17.01 من 20، حالت العوائق البيروقراطية دون استكمال مساري الأكاديمي واستغلال المنحة المستحقة، كما ساهم غياب التأطير والمواكبة في عزوف غالبية زملائي في الدفعة عن ممارسة التخصص؛ إذ اقتصر الاستمرار الميداني عليّ وعلى زميل آخر فقط من أصل 20 طالباً، كان من بينهم أربعة أرسلتهم قيادة الأركان من ضباط الصف للتكوين، بينما اتجه البقية إلى قطاعات أخرى.

​يمثل هذا نموذجاً حياً لظاهرة التسرب المهني التي تمتد إلى مختلف التخصصات، مؤكدة عمق أزمة استيعاب الكفاءات الوطنية وفجوة التكيف مع متطلبات السوق جراء عوامل متداخلة، أبرزها بطء تكييف المناهج مع التقنيات الحديثة، والاعتماد في بعض البرامج التدريبية على أنماط قديمة لم تعد تستجيب للحلول الآلية المتقدمة.

​يضاف إلى ذلك تحديات البنية التحتية، إذ يرتطم التحديث بقلة تجهيزات الورش داخل مراكز التدريب، والحاجة إلى تطوير خبرات المكونين والمدربين، إلى جانب ضعف الشراكات الهيكلية المباشرة مع شركات القطاع الخاص والورش الكبرى، ما يحرم المتدرب الوطني من الاحتكاك الميداني المبكر.

​وإذا نظرنا إلى الجوار الإقليمي، نجد أن التعليم المهني والتقني في العديد من الدول المغاربية والإفريقية المجاورة يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد، ويتفوق في كثير من الأحيان على التعليم الجامعي التقليدي من حيث سرعة التشغيل وملاءمة المخرجات؛ حيث تحظى المعاهد هناك بتصنيفات متقدمة بفضل الشراكات المباشرة مع القطاع الخاص والتركيز على التخصصات التكنولوجية.

​تتجلى هذه النماذج بوضوح في المملكة المغربية عبر مدن المهن والكفاءات ومعاهد الطيران والسيارات، وفي السنغال من خلال مراكز التميز في الهندسة وتقنيات النفط والغاز التي تضمن عقود عمل للخريجين قبل التخرج، وفي الجمهورية التونسية عبر منظومة التكوين بالتداول التي تمنح الكفاءة والتنافسية. وتعتمد هذه الدول على معادلة ناجحة تتمثل في تصميم المناهج بالشراكة مع المصانع، ومنح شهادات معترف بها دولياً، والتركيز على المهارات الناعمة.

​يتطلب استثمار الطفرة العمرانية وتحويلها إلى فرص عمل دائمة للشباب الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مأسسة الحلول وتطبيق خارطة طريق عملية تتكامل فيها جهود القطاع الوصي مع تجربة الممارسين والقطاع الخاص.

​يبدأ ذلك بإنشاء مرصد وطني لملاءمة التكوين مع متطلبات السوق يعتمد الرصد الميداني لتحديث البرامج دورياً بناءً على الاحتياج الفعلي، يليه تحديث الورش التعليمية وإطلاق دورات مستمرة لتأهيل المدربين على تقنيات الإنشاءات والأنظمة الذكية، كون المكوّن المواكب هو أساس المنهج الناجح.

​كما يتطلب الأمر الاعتماد على مناهج تفاعلية مبنية على الكفايات تُراجع بالشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين في مجالات التشييد والصيانة والخدمات الصناعية، فضلاً عن فرض ساعات تدريب عملي إجباري لخريجي المعاهد داخل الشركات والورش القائمة كشرط للتخرج، ضماناً لكسر حاجز الخوف وتسهيل إحلال الكفاءات الوطنية مكان العمالة الوافدة بشكل تدريجي وآمن.

​يظل توطين المهن وتحقيق الملاءمة بين التكوين والسوق استثماراً إستراتيجياً يضمن استدامة الطفرة الاقتصادية ويجعل الكفاءات الوطنية المحرك الأساسي لنهضة البلاد.

​بقلم: محمد علوش القلقمي

أحد, 25/10/2026 - 08:14