
قال الإعلامي محمد الأمين خطاري، الصحفي المختص في شؤون الهجرة ورئيس مركز الأطلسي الساحلي للهجرة والمجتمعات، إن تجربة الهجرة الدائرية في موريتانيا لا تزال محدودة مقارنة بتجارب دول الجوار، رغم ما تتيحه من فرص محتملة لتحسين دخل العمال واكتساب خبرات زراعية يمكن الاستفادة منها بعد العودة إلى البلاد.
وأوضح ولد خطاري، في مقابلة مع قناة TTV ضمن النشرة التحليلية مساء الأربعاء، أن الهجرة الدائرية تجربة اعتمدتها دول عدة، من أبرزها المغرب، لتنظيم انتقال العمال إلى الخارج بصورة مؤقتة، بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل في بلد الاستقبال وإمكانات المهاجرين، على أن يعودوا إلى بلدانهم بعد انتهاء فترة العمل المتفق عليها.
وأشار إلى أن التجربة المغربية تقوم على التنسيق بين مكاتب وشركات وهيئات زراعية مغربية وإسبانية، تحت إشراف حكومتي البلدين، بما يتيح تنظيم انتقال اليد العاملة المغربية إلى إسبانيا وإعادتها بعد انتهاء مدة العمل، وهو ما يفسر تسمية هذا النموذج بالهجرة الدائرية.
وأضاف أن موريتانيا أبدت خلال العامين الماضيين اهتماما بهذا النوع من التعاون، غير أن تقييم المرصد الساحلي للهجرة والمجتمعات يشير إلى أن التجربة لا تزال في بدايتها، ولم تصل بعد إلى تطلعات كثير من الشباب الموريتاني المهتمين بالاستفادة من فرص العمل الموسمية في الخارج.
وأكد أن فكرة الهجرة الدائرية جيدة من حيث المبدأ، لكنها تحتاج إلى توسيع نطاق المشاركة وتحسين آليات التنفيذ، حتى يتمكن عدد أكبر من العمال الموريتانيين من الاستفادة منها، مشددا على ضرورة أن تعمل السلطات المعنية في البلدين على تطوير التجربة والاستفادة من النماذج القائمة في دول الجوار.
وفي حديثه عن شروط اختيار المرشحين وإمكانات استفادتهم من البرامج، قال ولد خطاري إن التجربة الموريتانية لا تزال حديثة، وإن الدفعة الأولى لم يمض على انطلاقها عامان، ما يجعل من المبكر إصدار أحكام نهائية بشأن نتائجها أو مدى نجاح آلياتها في إثبات المهارات المهنية المكتسبة.
وأضاف أن البرنامج يمكن أن يشكل فرصة واعدة لتحسين دخل العاملين في الزراعة، إذا جرى تنفيذه وفق آليات واضحة، مع ضمان التزام المشاركين بالشروط المتفق عليها، بما يسمح بتحقيق استفادة اقتصادية ومهنية تنعكس إيجابا على القطاع الزراعي في موريتانيا.
وأوضح أن العمل في الحقول الإسبانية قد يتيح للعمال الموريتانيين اكتساب خبرات جديدة، بالنظر إلى تطور القطاع الزراعي في إسبانيا واعتماده على تقنيات حديثة، معتبرا أن عودة العمال بهذه الخبرات يمكن أن تسهم في تحديث أساليب الزراعة وتطوير الإنتاج المحلي.
وبشأن الأجور التي يحصل عليها المشاركون، أشار إلى أن المعلومات المتوفرة لدى المرصد تفيد بأن الرواتب تتراوح بين 1500 و2000 يورو، لكنه أوضح أن هذه الأرقام لا تستند إلى كشوف رواتب رسمية حصل عليها المرصد، وإنما إلى معلومات متداولة لديه، نظرا لعدم امتلاكه صلاحية الاطلاع على الوثائق المالية الخاصة بالعمال.
وفي ما يتعلق بالحقوق القانونية، أكد أن أوضاع العمال تخضع لنظام العمل الإسباني من حيث الحقوق والواجبات، موضحا أن معالجة الخروقات المحتملة تستند إلى القوانين المعمول بها في إسبانيا، حيث يمارس العمال أنشطتهم المهنية خلال فترة إقامتهم المؤقتة.
وحول مدى الاعتراف بالخبرات المكتسبة بعد العودة، قال خطاري إنه لا يمكن في الوقت الحالي الحديث عن نتائج إيجابية مؤكدة للهجرة الدائرية في موريتانيا، مشيرا إلى أن التجربة لم تستوف بعد جميع الشروط التي تسمح بتقييم شامل ودقيق لمدى استفادة المشاركين منها.
وأضاف أن النموذج، رغم محدوديته الحالية، يمكن أن يفتح آفاقا أمام الشباب الموريتاني للهجرة القانونية والحصول على أجور أفضل مقارنة بمستويات الدخل المحلية، فضلا عن اكتساب خبرات يمكن استثمارها لاحقا في إنشاء مشاريع زراعية خاصة.
وشدد على أن تطوير هذه البرامج يمكن أن يتقاطع مع توجهات موريتانيا الرامية إلى تشجيع النشاط الزراعي، خصوصا إذا تمكن العمال العائدون من توظيف خبراتهم في مشاريع إنتاجية محلية، غير أنه أكد أن قياس هذا الأثر لا يزال سابقا لأوانه في ظل محدودية التجربة وعدم توفر بيانات كافية عن نتائجها.
وفي ما يخص اختيار المرشحين، أوضح أن العملية تتم، وفق المعلومات التي اطلع عليها المرصد من مصادر موريتانية وإسبانية، بالتنسيق بين الجهات الموريتانية المعنية وشركات إسبانية تحتاج إلى اليد العاملة.
وأضاف أن من بين الشروط الأساسية أن يكون المرشح قد سبق له العمل في المجال الزراعي، وأن يمتلك خبرة أولية في هذا القطاع، مشيرا إلى أن عملية الاختيار تشمل التحقق من الخبرة من خلال الاستفسارات والتقييمات التي تشارك فيها الشركات الإسبانية والجهات المعنية بالتشغيل في موريتانيا.
وأشار إلى أن إجراءات الانتقاء تتضمن كذلك تقييم مدى ملاءمة المرشحين للعمل المطلوب، بما في ذلك بعض الجوانب المتعلقة بالقدرة البدنية، قبل اختيار المشاركين في البرنامج.
وجدد التأكيد على أن تجربة الهجرة الدائرية في موريتانيا لا تزال متواضعة مقارنة بتجارب دول الجوار، وتحتاج إلى مزيد من التطوير والتنسيق وتوسيع قاعدة المستفيدين، معتبرا أن تحسين آلياتها قد يجعلها مستقبلا أداة لدعم الهجرة القانونية وتعزيز التعاون الموريتاني الإسباني في مجالي الزراعة وتشغيل اليد العاملة.
وأضاف أن نجاح التجربة يتطلب الانتقال من مجرد توفير فرص عمل مؤقتة إلى بناء مسار يتيح للعمال الاستفادة من دخلهم وخبراتهم بعد العودة، مع تطوير آليات متابعة تقيس مدى اندماجهم في سوق العمل المحلي وقدرتهم على توظيف المهارات المكتسبة في مشاريع إنتاجية.



.jpg)