مساحة إعلانية

     

    

    

  

الفيس بوك

الدكتور يوسف ولد حرمه ولد بابانا يدون عن تجربته بمناسبة ذكرى ميلاده

خمسون عامًا مضت، وفي كل عام كنت أظن أنني تعلمت شيئًا جديدًا عن الحياة، حتى أدركت أنها ما زالت تعلمني كيف أقدّر الأهل، وأحفظ الود، وأرضى بما قسم الله لي.

اليوم، 21 أكتوبر 2026، أتممت عامي الخمسين. وُلدت في مثل هذا اليوم من عام 1976، ومرّت عليّ أعياد ميلاد كثيرة، قضيت بعضها في أمريكا وفرنسا والسعودية والمغرب وتركيا وتايلاند وماليزيا والسنغال. لكل بلد ذكرياته، ولكل مرحلة من العمر حكايتها.

لكن عيد ميلادي هذا العام مختلف، ليس لأنني احتفلت بطريقة مميزة، بل لأنني وجدت نفسي أميل إلى الهدوء، وأفكر في أشياء لم أكن أتوقف عندها كثيرًا من قبل.

هذه الليلة، تناولت العشاء مع من أحب، وزرت والدي وأهلي، وجلست بينهم في أجواء عائلية جميلة. وتبادلنا أطراف الحديث عن السياسة والفكر مع أحد أعمامي، بحضور والدي وأخي وسندي شعيب، أطال الله في عمره.

تحدثنا في بعض الأفكار والآراء، وكان في بعضها ما أثار دهشة والدي، وربما جعله يتساءل في نفسه: إلى أين يريد يوسف أن يصل بهذه الأفكار؟ ههههههه.

لكنها في النهاية مجرد دردشة عائلية، نتبادل فيها الآراء، ونختلف أحيانًا، وتبقى المحبة والاحترام فوق كل شيء. وأعتقد أن مثل هذه الجلسات، على بساطتها، من الأشياء التي تستحق أن نحمد الله عليها.

بعد ذلك صليت العشاء، وقرأت شيئًا من صلاة الفاتح، وتصفحت الأخبار كعادتي، ثم استلقيت على فراشي. وجدت نفسي أشعر براحة كبيرة، وهدوء لم أكن أبحث عنه، لكنه جاءني ببساطة.

ربما لأنني كنت بين أهلي، وربما لأنني بدأت أفهم أن راحة الإنسان لا تحتاج دائمًا إلى الكثير.

صحيح أن فرحتي كانت ستكتمل أكثر لو كان أبنائي جميعًا معي، فغيابهم يترك في القلب شيئًا من الشوق، مهما كانت الظروف جميلة. لكن الحمد لله على ما نحن فيه، وأسأل الله أن يجمعني بهم دائمًا على خير، وأن يحفظهم لي.

وعندما أنظر إلى السنوات الخمسين التي مضت، أجد أن الحياة علمتني الكثير، خاصة في علاقاتي بالناس.

أناس احتجت إليهم، ولم أكن أظن أن الأيام ستكشف لي منهم ما رأيت. منهم من وقف إلى جانبي في وقت الشدة، ومنهم من خذلني وأنا أظنه من أقرب الناس إليّ. وفي المقابل، وجدت أناسًا لا أعرفهم جيدًا يقفون معي، بينما خذلني أناس كنت أعتقد أنني أعرفهم حق المعرفة.

وهنا أدركت أن المواقف أصدق من الكلام، وأن القرب ليس دائمًا قربًا حقيقيًا، وأن بعض الناس لا تعرف قيمتهم إلا عندما تحتاج إليهم.

وتعلمت أيضًا أن المال يمكن أن يعود، وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد، لكن الصحة إذا ذهبت فلا يعوضها المال، والعمر إذا مضى فلا يعود.

لهذا، وأنا أبلغ الخمسين، بدأت أشعر بأن العد التنازلي قد بدأ. لا أقول ذلك خوفًا من الموت، فالموت حق على الجميع، وإنما لأنني أصبحت أكثر وعيًا بقيمة الوقت، وأكثر إدراكًا أن السنوات التي مضت لن تعود مهما تمنينا.

وأحيانًا أسأل نفسي: أين الأصدقاء الذين كانوا يتذكروننا في كل مناسبة؟ أين الذين جمعتنا بهم الأيام ثم فرقت بيننا؟ وأين أولئك الذين كنا نظن أن حضورهم في حياتنا سيستمر إلى الأبد؟

ثم يأتي السؤال الأصعب: إذا كان بعض الناس ينسوننا ونحن أحياء، فماذا سيحدث بعد رحيلنا؟

ربما يأتي يوم يمر فيه 21 أكتوبر دون أن يتذكر أحد أنه كان يوم ميلادي. ستستمر الحياة، وسينشغل كل إنسان بدنياه، وهذا أمر طبيعي.

لكن ما أتمناه حقًا هو ألا يمر عمري دون أن أترك أثرًا طيبًا في حياة أحد. أن يتذكرني إنسان بموقف حسن، أو كلمة طيبة، أو مساعدة قدمتها له في وقت حاجته، أو حتى بدعوة صادقة بعد أن أغيب عن هذه الدنيا.

لقد قضيت بعض أعياد ميلادي في بلدان بعيدة، وعشت تجارب مختلفة، ورأيت أشياء كثيرة، لكنني الليلة، وأنا مستلقٍ على فراشي بعد زيارة والدي وأهلي، أشعر أن السعادة ليست في كثرة السفر، ولا في المال، ولا في عدد الذين يعرفوننا.

السعادة أحيانًا أن تجلس مع أهلك، وأن تطمئن على والدك، وأن يكون لك أخ تسند ظهرك إليه، وأن تتناول العشاء مع من تحب، وأن تشتاق إلى أبنائك وتتمنى اجتماعهم حولك، ثم تضع رأسك على وسادتك وأنت تقول: الحمد لله.

خمسون عامًا مضت، ولا أعرف كم بقي، لكنني أعرف أن ما بقي يستحق أن أعيشه بطريقة أفضل.

أريد أن أكون أقرب إلى الله، وأكثر تقديرًا لمن يحبونني، وأقل انشغالًا بمن خذلوني. أريد أن أحفظ الود، وأسامح ما استطعت، وأعيش بسلام مع نفسي، وألا أؤجل الكلمة الطيبة أو صلة الرحم أو زيارة من أحب.

اللهم بارك لي فيما بقي من عمري، واغفر لي ما مضى، واحفظ لي والدي وأهلي وأبنائي وأحبتي، وأطل عمر والدي وأخي شعيب في صحة وعافية، واجمعني بأبنائي على خير، وارزقنا جميعًا راحة البال ودوام المحبة.

الحمد لله على خمسين عامًا مضت، بما فيها من فرح وتعب، ونجاح وخيبة، ولقاء وفراق. الحمد لله على كل درس تعلمته، وعلى كل شخص وقف معي، وحتى على التجارب التي أوجعتني ثم علمتني.

وفي نهاية عامي الخمسين، لا أطلب من الدنيا الكثير. أطلب صحة وعافية، وقلبًا مطمئنًا، وأهلًا وأحبة لا أفقدهم، ورضا من الله، وأثرًا طيبًا يبقى بعد رحيلي.

فإذا جاء يوم لا يتذكر فيه أحد تاريخ ميلادي، أتمنى أن يكون قد بقي مني ما هو أجمل من التاريخ والاسم: ذكرى طيبة في قلب إنسان، ودعوة صادقة في ظهر الغيب، وعمل صالح أرجو أن ألقاه عند الله.

اليوم أتممت خمسين عامًا… والحمد لله على ما مضى، والحمد لله على ما بقي، والحمد لله على النعم التي نعرفها، والنعم التي لا ندرك قيمتها إلا بعد حين

أربعاء, 21/10/2026 - 11:13