
إن إقالة المسؤولين الذين وردت أسماؤهم في تقرير التحقيق بشأن قضية الشركة الموريتانية للكهرباء لا تمثل سوى جزء ضئيل من الحل. فالمسؤولية لا تقتصر على الجانب التنفيذي، بل تمتد إلى المسؤولية السياسية التي تقع على عاتق الوزير الأول، الذي اختار هؤلاء الرجال لتولي إدارة قطاع الطاقة، وعليه أن يتحمل تبعات اختياراته. فلا يجوز التضحية بالمنفذين للتستر على المسؤول السياسي الأول وإعفائه من المساءلة.
ولا تقف مسؤولية الوزير الأول عند حدود التعيينات. فمنذ اندلاع الأزمة، سعى إلى التستر على الشركة المتسببة في الحريق، التي تعود ملكيتها إلى أبناء عمومة الرئيس الغزواني. وفي تصريح ثبت زيفه، نسب مسؤولية المعدات المعنية إلى نظام محمد ولد عبد العزيز، مدعيا أنها اقتُنيت سنة 2015، في محاولة لحماية هذه الشركة وإعفاء أصحابها من المساءلة والمحاسبة. غير أن نتائج تقرير التحقيق أثبتت أن هذه المعدات اقتُنيت في إطار برنامج عصرنة نواكشوط، ولم تُركَّب إلا قبل أسابيع قليلة من اندلاع الحريق.
وثمة سابقة أخرى أثارت غضب الموريتانيين واستياءهم. ففي سياق التحقيق البرلماني بشأن عشرية محمد ولد عبد العزيز، جرى استبعاد أسماء عدد من أبرز معاوني الرئيس السابق من التقرير. بالأمس، أفلت هؤلاء من المساءلة عن حصيلة عقد كامل من الحكم، واليوم يفلتون، واحدا تلو الآخر، من تبعات التقارير الصادرة عن محكمة الحسابات وعمليات التفتيش التي أجرتها المفتشية العامة للدولة، فضلا عن قضية الشركة الموريتانية للكهرباء. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو من يحمي هؤلاء، ولماذا؟
في قضية الشركة الموريتانية للكهرباء، يُقال المسؤولون التنفيذيون من مناصبهم، بينما يظل الرجل الذي اختارهم، أي الوزير الأول، في موقعه. إن هذه الانتقائية في المساءلة تُفرغ العقوبات من مضمونها، وتقوّض مصداقية الخطاب الرسمي بشأن مكافحة سوء التسيير والفساد.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي توجيهه مباشرة إلى رئيس الجمهورية: لماذا تتمسكون بمعاونيكم الذين فقدوا ثقة الموريتانيين وأثاروا سخطهم، وأثقلوا كاهلهم بالضرائب والديون؟ وما دامت المصلحة الوطنية لا تبرر الإبقاء عليهم، فمن حق الموريتانيين أن يتساءلوا هل يعمل الوزير الأول و كثير من أعضاء الحكومة في خدمة مجموعة نافذة وضعت يدها على مقدرات الشعب وثرواته، وجعلت حماية مصالحها الخاصة فوق مقتضيات المصلحة العامة؟ أليس هذا تحديدا ما يفسر تحصينهم من المساءلة، وإصراركم المستفز لمشاعر الموريتانيين على الإبقاء عليهم في مناصبهم و تدوير بعضهم رغم كل ما أثير و يثار حول مسؤولياتهم؟ وهل تكمن حصانتهم السياسية في كونهم رجال هذه المجموعة، وحماة مصالح محيط الرئيس، والضامن لاستمرار نفوذهم على حساب مصالح الشعب والدولة؟
لن يقبل الشعب الموريتاني أن تُطوى صفحة قضية الشركة الموريتانية للكهرباء ما لم تُحدَّد جميع المسؤوليات وتُرتَّب عليها تبعاتها، وصولا إلى أعلى هرم السلطة. وعلى الوزير الأول أن يستقيل أو يقال، فبدون ذلك، ستظل مكافحة سوء التسيير والفساد مجرد شعار، يُحاسَب بموجبه صغار المسؤولين، بينما يُعفى خدم حاشية السلطة من المساءلة.
بيرام ولد الداه ولد اعبيد
14 أكتوبر 2026


.gif)

.jpg)


.jpg)