مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

ثنائية الفقه و الأدب عبقرية السجال و مدرسة الفكاهة الرصينة بين الشيخين المرحومين حمدا ولد التاه ومحمد سالم ولدعدود

في تاريخ المحظرة الشنقيطية، لم يكن الفقه يوماً نصوصاً جافة معزولة عن جماليات اللسان، ولم يكن الأدب ترفاً لفظياً بعيداً عن وقار الشريعة. غير أن هذه الثنائية الفريدة بلغت أوج عبقريتها المعاصرة في المساجلات العلمية والشعرية بين القامتين السامقتين الشيخ محمد سالم ولد عدود و الشيخ حمدا ولد التاه (رحمهما الله). لقد مثّل السجال بين هذين الشيخين نموذجاً فذاً في تحويل تفاصيل الحياة اليومية والنوازل الفقهية إلى قطوف دانية من الشعر المنساب، مستندين في ذلك إلى سرعة بديهة أدهشت المعاصرين.
تتجلى هذه العبقرية بشكل صارخ في «قصيدة المضيفة» الشهيرة عام 1973م، حين كان الشيخان على متن الطائرة، فراقب الشيخ حمدا حركة مضيفة الطيران وتوجيهاتها للركاب، فاستلّ قصاصة ورق و نظم أبياتاً من رقة السهل الممتنع، متعمداً ترك الشطر الأخير بياضاً ليمتحن صاحبه، هل سيجيب بمنطق الفقيه الصارم أم بمنطق الأديب الرقيق؟ 
فكتب الشيخ حمدا :
وقفتْ بينَ سائحٍ وسياسي ... ترشدُ الناس في خفيف اللباس
ورمتها العيون وهي تناجي ... في هدوء مجموعة الأجراس
وأشارتْ أن المقاعدَ تحتوي ... سترة للنجاة عند الإياس
فوجمنا وقد بدت كلمات ... لا تدخن واربط حزام الكراسي
فنزلنا فشيعتها عيون ... قطع الله وصلها بالمواسي
ليت هذي الفتاة كانت تراعي ... ................................
فما كان من الشيخ محمد سالم ولد عدود إلا أن أخذ القلم وبسرعة خاطفة أكمل الشطر الأخير قائلاً ,
«... حُرْمَةَ الشَّرْعِ أَوْ شُعُورَ النَّاسِ»
وهنا علّق الشيخ حمدا معجبا لقد أردتُ أن أضعك في فخ لأعرف أأنت فقيه أم أديب ؟
فجمعت بينهما، كنت فقيهاً حين راعيت حرمة الشرع و أديباً إنسانياً حين راعيت شعور الناس .
ولم تقف مساجلاتهما عند حدود الرحلات، بل شملت دقائق الثقافة الشنقيطية وعلى رأسها مجالس الشاي (أتـاي) ومظاهر الحياةو لعل من أشهر ما دار بينهما في ثنايا الشاشات وسهرات رمضان ما عُرف بالزنكلونيات 
(نسبة إلى نوع من الحديد أو المادة المتلونة)، حينما تمازحا حول تصاريف الدهر وتلون طباع البشر وثبات العلماء، فابتدره الشيخ حمدا قائلاً:
الخلْقُ بين شؤونٍ ... كثيرة وفنـونِ
البعضُ منهم بسيطٌ ... وبعضهم "زنكلوني"
فأجابه الشيخ ولد عدود على الفور ببديهة أصولية متماسكة:
بالشيخ حمدا صِلوني ... وعنه لا تفصِلوني
إني على العهد منه ... وإن همُ عذلـوني
على ثباتٍ فمالي ... تلوُّنُ الزنكلـوني
وفي سياق آخر من مداعباتهما الفقهية الرمزية، برزت الجراديات حين تساجلا حول نازلة مرور الجراد بالبلاد، فقال الشيخ حمدا متقمصاً دور الجراد الذي يبحث عن قوته الفكري والروحي في مرابع صاحبه،
مرّ الجرادُ على حقلي فقلتُ له ... لا تأكلنْ ولا تهمَّ بإفسادِ
فقام منه خطيبٌ فوق سنبلةٍ ... إنا على سفرٍ لا بد من زادِ
فرد عليه الشيخ ولد عدود مرحباً بكرم الضيافة العلمي :
ومرّ أيضاً بمرعانا فقلتُ له ... ماذا أمالك مرعى غير مرتادِ؟
فقال ما لي مرعى غير تربتكم ... فأكرموا نُزل هذا الرائح الغادي .
إن ثنائية الفقه والأدب في سجال الشيخين حمدا وعدود أثبتت أن الشريعة والبيان توأمان في الهوية الموريتانية، فالعلم الجاف لا يلامس القلوب، والأديب لا يرسخ أثره إلا بوقار المعرفة. رحل الشيخان، وبقي سجالهما مدرسة تروي عبقرية التراث الشنقيطي في أبهى صور الألفة، والدعابة، والتبحر العلمي.

رحم الله الشيخين الجليلين وسائر علماء المسلمين الأبرار و أسكنهم فسيح جناته و نفع الأمة بعلمهم .
    اباي ولد اداعة .

أحد, 04/10/2026 - 08:06