مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

بصراحة نحن في أزمة خطيرة.. / احمد سالم ولد لكبيد

كما حصل في سنة 1957 حيث كانت موريتانيا على مفترق طرق خطير: إما أن تكون الدولة الموريتانية أو لا تكون..
فيومئذ كان بعض السياسيين من الزنوج خاصة التكارير يطالب بالانضمام لفيدرالية مالي التي تضم دولا من غرب إفريقيا منها السنغال ومالي..
وكان البيظان يطالب قسم منهم بالانضمام للمغرب خاصة من حزب النهضة والجماعة التي انشقت والتحقت بالمغرب مثل أحمدو ولد حرمة ولد بابانا والأمير محمد فال ولد عمير..
وكانت هناك طائفة ترغب في بقاء موريتانيا ضمن المجتمع الفرنسي وأسست حزباً (اتحاد الاشتراكيين المسلمين الموريتانيين ) لهذا الغرض وذلك في إطار دعم "الخطة الفرنسية للمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية"..
وكان المغرب يسعى لضم موريتانيا بوصفها جزءا منه، ويحظى بدعم أغلب الدول العربية المستقلة، وقد حشد "جيش التحرير الشعبي"على الحدود الشمالية والحدود المالية..
وكان الزعيمان سنغور وموديبو كيتا يضغطان على المختار بكل وسيلة لينضم إليهما في مشروعهما الوحدوي الإفريقي وقاما بتعبئة سكان منطقة الضفة في هذا السياق..
وعلى مستوى الداخل كانت تهيمن على الساحة أحزاب متباينة الرؤى مختلفة المشارب أفرزتها الإستحقاقات الانتخابية، فهي في حالة تنافس ومواجهة وتطبعها القومية والجهوية والبحث عن تحقيق المصالح الضيقة..
وفي هذا الجو المشحون بالتوتر والتحديات وهواجس البحث عن الهوية والاستقلال أو الانضمام، طرح الرئيس الراحل المختار ولد داداه في مدينة أطار سنة 1957، سؤاله الشهير «أي موريتانيا نريد؟»..
 وكان الهدف من ذلك السؤال هو تحديد ملامح الوطن الموريتاني، وبناء مؤسسات الدولة، وتثبيت الاستقلال في مرحلة البدايات..
وبعد سبعين سنة من هذا التاريخ، وخلال زيارته لولاية ادرار منذ أيام، طرح الرئيس الغزواني السؤال التالي: إلى أين نسير..؟
وبرأيي ينبغي أن يكون الجواب على هذا السؤال من طرف الشعب الموريتاني كما حصل مع سؤال الرئيس المختار السابق الذي اجاب عليه المجتمعون في مؤتمر الاك سنة 1958، وقد أسس جوابهم لقيام الدولة الموريتانية الحديثة..
فعلا موريتانيا أصبحت اليوم بزعمي في مفترق طرق خطير بسبب ما وصلت إليه الأوضاع من تردي..
فمع انطلاق المسلسل الديمقراطي على إثر قمة لابول سنة 1990، بطريقة استعجالية ودون تحضير، دخلت البلاد في مرحلة صعبة..
فالدستور كان  نسخة طبق الأصل من دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة الذي وضعه الجنرال شارل ديغول سنة 1958 ليؤسس نظاما هجينا يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني، وظلت الدولة الفرنسية بسببه وإلى يومنا هذا، تعاني من الفشل ومن أزمة بنيوية عميقة في نظام الحكم..
ولذلك يمكن القول إن موريتانيا طبقت في سنة 1991 طريقة فاشلة في الحكم بأسلوب التقليد والاستلاب السياسي، فكانت "مشيت عيشه رخمه" عندما تقلد غرابا أعرج..
وللحصول على الولاء للحزب الحاكم وعلى الأصوات خلال الإنتخابات، بعثت من القبور والمخابيء القبلية والجهوية والاتنية، وبذلك تلقت الإدارة رصاصة في القلب..
ومن أجل شراء الأصوات والذمم والولاءات، ضخت الدولة المليارات الكثيرة من ميزانياتها وأغلبها مع الأسف حاصل من قروض خارجية ما زالت في ذمة الشعب الموريتاني..
ونشأت اولوغارشيا برجوازية قبلية لا ترحم ولا ضمائر لها، سيطرت على مفاصل الدولة ومؤسساتها وأصبحت تقود المجتمع..
وتم تهميش طبقة العلماء والمثقفين والمصلحين وتم الدوس على القيم والأخلاق وأصبح المال هو المعبود والحصول عليه هو غاية الجميع..
فكانت القبائل سلعة والشرائح سلعة والدين السلعة والمواقف سلعة والولاءات سلعة والنضال ضد الرق سلعة وحقوق الإنسان سلعة والكذب سلعة والصحافة سلعة والاجسام سلعة والرقية الشرعية سلعة..
لقد أصبح كل شيء للبيع.. 
Tout est cadavre..!
كما يقول المطرب الكونغولي "زاو"..
لقد ماتت الضمائر وهي المركز الرئيسي للرقابة قبل رقابة الدولة وآليات التفتيش..
وماتت الأخلاق التي تنظم الغرائز الإنسانية وتمنع تفكك المجتمع وانهياره وبفضلها يتم الإستقرار، ولذلك يقول نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: جئت لاتمم مكارم الأخلاق..
ويعتبر الفيلسوف اليوناني أرسطو الأخلاق وسيلة لتحقيق السعادة الإنسانية والعيش الفاضل داخل الدولة.
ويراها الفيلسوف المعاصر إميل دوركايم ظاهرة اجتماعية يفرضها المجتمع على الأفراد لضمان بقائه وتضامنه..
ومما زاد الطين بلة العولمة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي فاختلط الحابل بالنابل وزادت سرعة إنهيار القيم وتدمير الثوابت الوطنية وانتشار الغوغاء ودعاة الفتنة ..
مع الأسف مات ضمير الطبيب والمعلم والضابط والمهندس والإطار والموجه الديني والاجتماعي والتاجر والسياسي والإعلامي..
وباختصار غرق المجتمع الموريتاني إلى الاذنين في تراكمات من التدمير الممنهج لقيمه وثوابته ومقوماته ومؤسساته الوطنية، وما نتج عن ذلك من ضعف الإدارة والمؤسسات ومن من فساد شامل واختلاس واجرام وتصدر الحثالة للمجتمع..
فأصبح الشعب ناقما على الدولة وفقد فيها الثقة وأصبح لا يهتم بإنجازاتها ويبغضها حتى النخاع ، ثم إنه أصبح متناحرا، ومنافقا ومجنونا..
ولا استبعد أن يكون بعض الشعب الموريتاني كما حصل سنة 1957، أصبح يريد الإنضمام إلى المغرب أو إلى الجزائر أو إلى السنغال..أو الهجرة خارج الوطن..
إلى أين نسير..؟
طرحتم فخامة رئيس الجمهورية سؤالا حاسما ومفصليا ومؤلما في نفس الوقت..
ولديكم شخصيا فرصة تاريخية لجمع البيت الموريتاني لمناقشة هذا السؤال بصراحة وجدية بنفس الطريقة التي حصلت في الاك سنة 1958..
ولا يمكن أن يتم ذلك برأيي إلا بجمع كل النخبة المثقفة والدينية والتقليدية وفي آخر اللائحة النخبة السياسية التي لا تمثل إرادة الشعب الموريتاني اليوم بسبب مرضها وضعفها وتعرضها للتدمير.. وبسبب أنها سبب المأساة..
وامامكم سيدي الرئيس كذلك فرصة تاريخية ونادرة قبل فوات الاوان، لجعل البلاد تسير نحو بر الأمان والسلامة والازدهار، وذلك من خلال الإصلاح السياسي والقضائي وإطلاق "ثورة ثقافية" لاجتثاث الفساد والقضاء على الظواهر والممارسات المتنافية مع الدولة، وبعد ذلك إرساء سياسة إصلاح عام وانفتاح..
واضمن لكم عند الله والبخيل من لا يضمن على الله أن الشعب الموريتاني سيكون معكم وخلفكم وامامكم، وخاصة شريحة الشباب والطبقة الواعية..

جمعة, 02/10/2026 - 01:10