مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

بين مطرقة الابتزاز و سندان التملق و التلميع شبكات المصالح تخنق الإدارة الموريتانية/بقلم: اباي ولد اداعة

لم يعد الفضاء الرقمي في موريتانيا مجرد مرآة تعكس هموم المواطن أو منصة للنقد البناء وكشف الحقائق، بل تحول لدى بعض المدونين وأصحاب المنصات وصناع المحتوى إلى سوق سوداء للتربح و الشراكة المشبوهة مع الفساد و الكسب غير المشروع، من خلال شبكات مصالح معقدة تخنق الإدارة العمومية وتستنزف مقدرات الوطن.
تدار هذه اللعبة الخطيرة بإستراتيجية مزدوجة و ممنهجة لتبادل الأدوار، حيث يستغل مدونو الخارج بعدهم الجغرافي وهامش الحرية لشن حملات هجومية شرسة من التشهير و هتك الأعراض تتجاوز حدود اللباقة و الإساءة و البذاءة ،
وتوجيه سهام الابتزاز نحو المسؤولين بالتركيز على ملفاتهم الحساسة أو بالتلفيق و الكذب أحيانا نيابة عن خصوم محليين مقابل تعويض مالي ،
في حين أصبح التملق والنفاق داخل الوطن بمثابة تجارة رائجة و مهنة غير رسمية تعود علي أصحابها بمكاسب مادية و مناصب اجتماعية و وظيفية كبري ،
حيث نجد بعض المدونين و ممتهني الإعلام والمهرجين من داخل الوطن همهم الوحيد تلميع المفسدين و تبرير أخطائهم لتحقيق مكاسب شخصية او حظوة لدي مراكز النفوذ، 
مما يمنحهم احيانا نفوذا يمتد الي توجيه بعض القرارات أو تصدر الواجهة ، يرتدون  عباءة الوسيط و المصلح لعرض خدمات التملق و النفاق و الكذب وتلميع المفسدين و صناعة صور بديلة و وردية للمسؤولين و التوسط لإخماد الحملات الرقمية، مقابل صفقات مالية مشبوهة تضمن صمت و ولاء هؤلاء المدونين و المتملقين الإعلاميين في الداخل كما في الخارج و علي حد سواء ،
إن رضوخ بعض المسؤولين لهذه الضغوط ودفع الأموال لشراء الصمت ليس مجرد سلوك لحماية السمعة، بل هو إدانة ذاتية صريحة تثبت المقاربة القائلة( لا دخان بلا نار )، إذ لو كانت ذممهم بريئة لاحتموا بالقانون ومؤسسات الدولة الرقابية بدل تبديد المال العام لضمان ولاء المدونين و المتملقين من اصحاب المنصات و البثوث المباشرة.
هذا التخادم المصلحي يضع مقدرات الدولة بين فكي كماشة ،
 فساد إداري ينهب الثروات، وابتزاز رقمي يبتلع ما تبقى منها، بينما يدفع المواطن المطحون وحده كلفة هذا التواطؤ المخزي من تنميته و معيشته الضنكة. 
يثير هذا الواقع المطروح نقاشا قانونيا و اخلاقيا واسعا عبر منصات و وسائل التواصل الاجتماعي، 
حيث يري العديد من المراقبين و القانونيين والحقوقيين أن إخضاع جميع مدوني الإسترزاق في الداخل كما في الخارج للمساءلة والمحاسبة هو ضرورة حتمية لحماية الصالح العام و استئصال هذه الظاهرة من جذورها قبل فوات الأوان، 
بالتأكيد عندما تطغى المادة على وجدان المجتمع، وتتحول القيمة الإنسانية من "مَن تكون وماذا تحمل من مبادئ ؟" إلى "كم تملك و ماذا تستطيع أن تشتري ؟"، يقع المجتمع في فخ السقوط الحر نحو الانهيار. إنها اللحظة الأخطر في تاريخ الأمم ، اللحظة التي يُصبح فيها كل شيء معروضاً للبيع في سوق المزاد العلني، بدءاً من المبادئ والقيم وصولاً إلى ثوابت الوطن و مصالحه العليا.
في هذا المناخ المادي الملوث، تتبدل المفاهيم وتنتكس الفطرة الإنسانية. فما كان بالأمس عيباً يُدنس العِرض و يجلب العار، يصبح اليوم مستباحاً، بل و مبرراً تحت مسميات الذكاء والمرونة و مواكبة العصر .
إن أخطر ما يهدد السلم المجتمعي واستقرار الدولة اليوم هو تغلغل هذه الشبكات المصلحية في مفاصل القرار. لم يعد همّ هذه الفئات يقتصر على تحقيق مكاسب عابرة، بل أصبحت غايتهم الأسمى هي السيطرة و توجيه السياسات العامة لحماية امتيازاتهم الشخصية، والإطاحة بكل ما يمت بصلة للمصلحة العليا. في هذا المناخ الطارد للكفاءات و النخب الحقيقية، تُنتهك هيبة الدولة و تتحول مؤسساتها  في نظر المواطن من حصن للعدالة إلى ساحة للنفوذ القائم على المال المشبوه.
ولعل المظهر الأكثر صارخية لطغيان المادة و التطبيع مع الفساد، يتجلى في تلك الفجوات الطبقية الصادمة والغامضة التي تحدث بين عشية وضحاها، حيث يصبح المواطن فقيراً معدم الدخل، ويمسي غنياً متخماً بالمال المشبوه دون مساءلة أو محاسبة من اي كان !!
أمام هذا التخادم المصلحي المتصاعد  ،
يبرز الدور المحوري للدولة كحصن أخير لحماية الفضاء العام والمال العام معا. إن الحد من مخاطر هذه الظاهرة ومنع اتساع دائرتها يتطلب من الدولة الانتقال من موقف المتفرج إلى الحسم، عبر تفعيل صارم لقوانين الجريمة السيبرانية لتتبع خيوط هذه الشبكات وتفكيك امتداداتها الداخلية. 
كما يجب على الأجهزة الرقابية والقضائية المحاسبة التلقائية والتحقيق الفوري في كل ملف فساد يُثار رقمياً، لقطع الطريق على المساومات، فالمسؤول النزيه لا يخاف الابتزاز، والمسؤول الفاسد يجب أن يواجه العدالة لا أن يشتري صمت المنصات أو المدونين ،
إنها معركة فرض سيادة القانون واستعادة هيبة الدولة من براثن المقايضات الرقمية.

  حفظ الله موريتانيا

خميس, 01/10/2026 - 21:48