
في مدينة أطار، التي لقّنت منظومة الاستبداد والتملّق درسا قاسيا في الكرامة والإباء، عندما قاطع سكانها مهرجان السيد الغزواني، رغم الموارد التي ضُخّت، والوجهاء والمسؤولين الذين تدفّقوا من كل صوب وحدب لتعبئة المواطنين، دون جدوى، أبت السماء إلا أن تمطر مطرا خفيفا، لكنه كان كافيا لتحويل أطار إلى مدينة منكوبة، شُلّت فيها الحركة، وغمرت المياه طرقها ومنازلها، كاشفة، مرة أخرى، زيف الشعارات والفارق الشاسع بين الخطاب والحقيقة، وبين الحديث عن إنجازات الصرف الصحي وواقع مدينة تغرق بعد أمطار محدودة.
في هذه المدينة تحديدا، طرح محمد الثاني سؤالا بحجم الوطن: أيُّ موريتانيا نريد؟.. ودعا إلى «تحيين» الإجابة عن السؤال الذي طرحه الرئيس المختار ولد داداه قبل الاستقلال. سؤال يستحق أن يُطرح. لكنه، كما صيغ، سؤال يأتي من الجهة الخطأ، ويبدأ من التاريخ الخطأ.
فحين يتحدث رئيس، على رأس هرم السلطة منذ سبع سنوات، وشغل المركز الثاني والنافذ في الدولة لمدة أربعة عشرة سنة، أي منذ الإطاحة بمعاويه ولد الطايع سنة 2005, عن ستة وستين عاما من عمر الدولة، فإنه يطرح سؤالاً صحيحا ليتجنب سؤالاً أدق: ماذا فعلتم أنتم، منذ 2005 وخاصة منذ 2019، لتقريب موريتانيا-الواقع من موريتانيا -الخيال التي تتحدثون عنها؟
هذا هو السؤال الذي لا يجوز تمييعه في بحر التاريخ الطويل. ستة وستون عاما: تاريخ دولة وأجيال وأنظمة متعاقبة. سبع سنوات: مسؤولية سياسية محددة، برئاسة محددة، أمام من تقولون إنهم انتخبوكم أو من هم في حكم ذلك. التاريخ ملك للجميع، أما السلطة فمسؤولية من يتولاها. من يخلط بين الاثنين يطلب من الشعب أن يحاسب التاريخ بدل أن يحاسب الحاكم.
والموريتانيون يعرفون أي موريتانيا يريدون. ليسوا في انتظار من يكتشف لهم الجواب.
يريدون موريتانيا يكون فيها المواطن مواطنا قبل أن يكون من هذه القبيلة أو تلك الولاية أو هذا الحلف؛ موريتانيا التي لا تُقاس فيها قيمة الإنسان بقربه من السلطة، ولا تُفتح أبوابها لأصحاب النفوذ وتُغلق في وجه من لا وساطة له.
موريتانيا القانون الذي يُطبَّق على الجميع دون استثناء، ومؤسسات تقوم بوظائفها، وقضاء يحمي الحقوق، وإدارة تخدم المواطن، ورقابة لا تتوقف عند حدود الضعفاء.
موريتانيا الماء والكهرباء والصرف الصحي والعمل والتعليم والصحة، لا كمِنَح بل كحقوق ومقتضيات أساسية للمواطنة. موريتانيا تحاسب الفاسد أيا كان موقعه، وتصون المال العام، وتضع حدا للإفلات من العقاب مهما علا صاحبه. موريتانيا لا توزَّع فيها الصفقات على أبناء العمومة والأصهار، ولا تُكمَّم فيها الأفواه، ولا تتصدرها الرداءة والتفاهة، ولا يُعاقب فيها الشرفاء، ولا تُصفّى فيها الحسابات.
السيد الرئيس، هذه ليست رؤية جديدة يجب اكتشافها. إنها المبادئ نفسها التي يستحضرها كل خطاب رسمي منذ عقود. فالمشكلة ليست في غياب الرؤية، بل في المسافة بين ما يُعلن وما يُعاش.
أما سؤالكم الآخر: «إلى أين نسير؟»، فهو سؤال لا يخلو من دلالة مقلقة حين يصدر عن رئيس الدولة، أي عن المسؤول الأول عن قيادة الدولة وتحديد وجهتها. فالمواطن يحتاج إلى أن يعرف إلى أين تتجه بلاده، ومن يقودها، وعلى أي أساس. فإذا كان من يقود السفينة لا يعرف إلى أين تتجه، فكيف يُطلب من ركابها أن يطمئنوا إلى مسارها؟ أما إذا كنتم تعرفون الوجهة، فالمطلوب أن توضحوا للموريتانيين ما هي، وأن تقدموا لهم حصيلة الطريق الذي قطعناه منذ 2019: ماذا تحقق؟، وماذا لم يتحقق؟، ولماذا؟ فالوجهة لا تُقاس بما يُقال في الخطب، وإنما بما تنتجه السياسات والمؤسسات في حياة المواطنين. والسؤال الحقيقي، في النهاية، ليس فقط: إلى أين نسير؟ بل: من يقود؟ وبأي رؤية؟ وبأي حصيلة؟ وإلى أين أوصلنا هذا المسار منذ 2019؟.
وهنا تبدأ المسؤولية السياسية الحقيقية. تحدثتم، سيدي الرئيس، عن حاجة المنظومة المؤسسية إلى التطوير. لا يعترض الموريتانيون على مراجعة المؤسسات والقوانين متى وُجدت حاجة حقيقية. لكن أي إصلاح جدي يبدأ بالتشخيص، لا بالشعارات.
أي مؤسسات بالضبط أصبحت عاجزة؟ أي قواعد يجب أن تتغير، ولماذا؟ ما الخلل الذي اكتُشف اليوم بعد أن تراكم سبع سنوات دون معالجة؟ ولماذا لم يبدأ هذا الإصلاح في وقت مبكر إن كانت الحاجة إليه بهذا الوضوح؟
والأهم، هل الهدف تقوية الدولة ومؤسساتها، أم إعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية نفسها؟ وما الضمانات التي تكفل أن يخدم أي إصلاح مؤسسي المصلحة العامة لبقاء من يملك السلطة فيها؟
من يعلن نيته تعديل قواعد الدولة عليه أن يوضح للمواطنين ماذا يعني ذلك تحديدا، لا أن يكتفي بعبارات عامة عن «التحيين» و«مواكبة العصر».
وقبل الحديث عن مؤسسات جديدة، يجدر التوقف عند سؤال أسبق. موريتانيا تملك دستورا وبرلمانا وقضاء وهيئات رقابة وإدارة عمومية وآليات مساءلة. فالسؤال ليس فقط أي مؤسسات يجب أن نُنشئ أو نُعدِّل، بل لماذا لا تُنتج المؤسسات القائمة العدالة والشفافية والفعالية التي وُجدت من أجلها؟
هناك فرق بين تغيير المؤسسات وتفعيل المؤسسات. وفرق أكبر بين تغيير النصوص وتغيير الممارسة. قد نُغيّر القوانين عشرات المرات، ولن نبني دولة قانون ما دامت القاعدة الفعلية أن قوة الأشخاص تتغلب على قوة المؤسسات. الدولة لا تُبنى بكثرة النصوص، وإنما باحترام النصوص. وإصلاح القواعد لا معنى له من غير إرادة سياسية حقيقية لتطبيقها.
كما لا تُقاس جدية مكافحة الفساد بعدد الخطب التي تتحدث عنه. تُقاس بأسئلة أدق. هل توجد رقابة مستقلة وفعالة؟ هل تُستعاد الأموال العامة؟ هل تُطبَّق العقوبات حين تثبت المسؤولية؟ هل يخضع القوي والضعيف للقاعدة نفسها؟ هل تستطيع مؤسسات الرقابة أن تعمل دون حسابات سياسية؟ فمحاربة الفساد لا تُقاس بالنيّة المعلنة، بل بما يحدث فعلا حين يمسّ ملف حقيقي شخصا نافذا.
وبينما تدعونا، السيد الرئيس، إلى نقاش حول مستقبل الدولة والرؤية والمؤسسات، ماذا عن حاضر المواطن؟ لماذا لا يزال يبحث عن الماء والكهرباء؟ لماذا لا تزال البطالة تلتهم شباب هذا البلد؟ لماذا لا يزال الفقر يثقل الأسر رغم ثروات الوطن؟ لماذا لا تزال الصحة والتعليم بعيدين عن المستوى الذي يستحقه المواطن؟ لماذا استشرى الفساد في الإدارة؟
السيد الرئيس، موريتانيا لا تحتاج إلى سؤال آخر عن الوجهة. الوجهة معروفة، مُعلنة منذ الاستقلال، مُكرَّرة في كل خطاب. ما تحتاجه هو أن تُسأل السلطة، أي سلطة، عن المسافة التي قطعتها فعلا نحو تلك الوجهة، لا عن جمال الأسئلة التي تُعيد صياغتها. الموريتانيون يرجون منكم، سيادة الرئيس، الاجابة على هذه الاسئلة قبل الخوض في المستقبل البعيد ومآلاته.
أما أن نعود، بعد سبع سنوات من الحكم، إلى سؤال عمره ستة وستون عاما، من دون أن نراجع، أولا، السنوات السبع التي نتحمل مسؤوليتها المباشرة، فذلك يجعل السؤال الجديد وسيلة لتأجيل السؤال الأهم.
موريتانيا لا تعاني غموضا في الوجهة. المواطن يعرف الدولة التي يريدها. والدولة تعرف المبادئ التي يفترض أن تقوم عليها. والمؤسسات موجودة، والقوانين موجودة. ما ينقص هو أن تتحول المبادئ إلى ممارسة، والقوانين إلى عدالة، والمؤسسات إلى قوة فعلية، والموارد إلى تنمية، والخطاب إلى نتائج.
لقد حان الوقت لأن نستعيد السؤال الحقيقي، السؤال الذي ينبغي أن يواجه النخب الحاكمة، وفي مقدمتها رئيس الدولة. فالسؤال ليس فقط أيُّ موريتانيا نريد؟ بل ماذا فعلتم، السيد الرئيس، لبناء موريتانيا المطلوبة؟ ماذا حققتم منذ 2019؟ وماذا لم يتحقق في عهدتكم؟ ولماذا؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق عندما يقع؟
وأخيرا، وهو السؤال الأهم. ماذا فعلتم حتى تصبح موريتانيا التي تقولون إنكم تريدونها حقيقةً يعيشها المواطن؟
بيرام ولد الداه ولد أعبيد
22 سبتمبر 2026


.gif)

.jpg)


.jpg)