
في وقتٍ يترنح فيه العالم تحت وطأة أزماتٍ اقتصادية متلاحقة وتكافح فيه أسواق الطاقة العالمية لالتقاط أنفاسها وسط حصار خانق وحرب مستعرة، يأتي الهجوم المباغت و الخطير بطائرات مسيرة على خط أنابيب النفط السعودي (شرق-غرب) ليثير تساؤلاً جوهرياً وحادا لماذا هذا التوقيت بالذات لخلق أزمة طاقة كارثية في السعودية ؟ والإجابة الأعمق لا تقف عند حدود المُنطلقات الميدانية للضربة، بل تتجاوزها لتكشف عن حسابات في نفس يعقوب تقف وراءها قوى تسعى لقلب الطاولة وصياغة جغرافيا سياسية جديدة للمنطقة عبر الحرب بالوكالة وخلق الأزمات المصطنعة.
لمصلحة مَن إشعال أزمة طاقة في هذا التوقيت؟
إن أسواق النفط العالمية اليوم لا تنقصها أزمات؛ فالتهديدات التي تحيط بمضيق هرمز وباب المندب جعلت من خط الأنابيب السعودي العابر للقارة صمام الأمان الوحيد المتبقي لتدفق الطاقة إلى الغرب والشرق على حد سواء.
وعليه فإن خلق أزمة مستحدثة في عمق البنية التحتية للمملكة السعودية لا يخدم أي تكتل يبحث عن الاستقرار الاقتصادي والنمو، بل يصب حصراً في مصلحة القوى المستفيدة من رفع منسوب الاشتعال الإقليمي وتفجير أسواق الطاقة لبعثرة أوراق القوى الكبرى و على رأسها القوى التي تسعى لتعطيل التقارب أو التهدئة الدبلوماسية في الإقليم.
ففي هذا الشأن تتلاقى قراءات مراقبين ومحللين سياسيين حول فرضية اختراق استخباري و هندسة غير مباشرة تقف وراءها إسرائيل عبر وسيط أو وكيل محلي في المنطقة لجرّ الخليج إلى حرب مباشرة مع إيران
المسعى الاستراتيجي الواضح لتل أبيب ليس سراً ، حيث تبحث جاهدة عن دفع عواصم الخليج و في مقدمتها الرياض، إلى الدخول في صدام عسكري مباشر و مفتوح مع طهران. إن نقل التصعيد والضربات الحيوية إلى الداخل السعودي يهدف إلى جعل التهديد وجودياً واقتصادياً لا يمكن التغاضي عنه،
مما قد يجبر الرياض على التخلي عن خياراتها الدبلوماسية.
يتجسد هذا المأرب في رغبة إسرائيل العميقة في تعويض العجز الإستراتيجي السابق، حينما أظهرت دول الخليج وعياً سياسياً رفيعاً و رفضت بشكل قاطع أن تكون مطية أو جبهة انطلاق لأي عدوان أو حرب أمريكية-إسرائيلية مشتركة ضد إيران. هذا الموقف الخليجي الصلب المتمسك بتصفير الأزمات وحماية مصالح الشعوب، ترك إسرائيل وحيدة في معادلة المواجهة ،
و لذلك يأتي استهداف النفط كـمكيدة بديلة تهدف إلى فرض المعركة فرضاً على الخليج لإضعاف الطرفين (العربي والإيراني) واستنزاف قدراتهما لحسابات الهيمنة الإسرائيلية المستدامة ،
تأسيسا لماسبق يُدرك صناع القرار في المنطقة أن هذا التوقيت الخبيث لاستهداف شريان النفط لم يكن معزولاً عن غرف العمليات التي تريد إشعال حرب إقليمية شاملة؛ ولعل قرار الرياض الدبلوماسي الحذر في تفكيك خيوط هذه الأزمة بالتعاون مع حكومة بغداد يمثل حائط الصد الأساسي ضد السقوط في هذا الفخ،
إن كبح جماح الردود الانفعالية يحرم المكيدة الإسرائيلية من تحقيق مأربها، ويسقط رهان الوكلاء و الوسطاء الذين أرادوا حرق المنطقة خدمةً لأجندات خارجية لا تُبقي ولا تذر.
حفظ الله بلاد الحرمين و كافة الدول العربية والإسلامية .




.gif)

.jpg)


.jpg)