
في عالم الاقتصاد، من المفترض والبديهي أن يؤدي نجاح أي بلد في تحقيق الاكتفاء الذاتي من مادة استهلاكية معينة، أو امتلاكه لوفرة في الثروات الطبيعية، إلى انخفاض أسعارها محلياً نتيجة طفرة المعروض وتلاشي تكاليف الشحن الدولي و الجمارك. لكن في بلادنا يبدو أن القوانين الاقتصادية تحب السير عكس هذا الإتجاه ،
ولعل قصة الطماطم و البطيخ المحلي و مثيلاتها من الخضروات و سوق اللحوم بنوعيها الحمراء والبيضاء يقدم لنا تجسيداً حياً وفجاً لهذه المفارقة الصارخة.
فمن جهة يذكر الجميع أنه قبل سنوات قليلة، حين كنا نستورد الطماطم و البطيخ بالكامل من دول الجوار، كان الكيلوغرام يتدفق إلى أسواقنا ويباع بأسعار زهيدة لا تتجاوز عتبة الـ 50 أوقية قديمة لكلغ البطيخ و 300 قديمة لكلغ الطماطم و في أوج استهلاكها شهر رمضان الكريم،
لكن ما إن نجحت تجربة زراعة البطيخ والطماطم محلياً وفُتح باب تصديرها، حتى قفز سعرها محلياً بشكل جنوني ليلامس عتبة الـ 500 أوقية قديمة للبطيخ و 1200اوقية قديمة لكلغ الطماطم ، أي عشرة أضعاف ما كانت عليه و هي مستوردة !
و الغريب في الأمر تكرار ذات المفارقة بالنسبة لمادة اللحوم في الوقت الذي نمتلك فيه ثروة حيوانية هائلة تُقدر بالملايين، وشواطئ تصنف كواحدة من الأغنى بالأسماك (اللحوم البيضاء) عالمياً،
ومع ذلك يكتوي المواطن يومياً بنيران أسعار اللحوم الحمراء والأسماك في أسواقه المحلية، لتباع له أحياناً بأسعار تفوق تسعيرة بيعها للمستهلك في الخارج !
فمثلا سمكة ياي بوي المعروفة و التي تستعمل بشكل ثانوي في بعض الأطباق كانت الي وقت قريب تباع ب 10 اواق قديمة للسمكة الواحدة اليوم سعرها وصل الي 300 اوقية قديمة للسمكة ،
اما سمك الكوربين فتباع ب 5000 اوقية للكلغ
صحيح اللحوم الحمراء (خاصة لحوم الغنم، الإبل، والبقر) تُعتٓبر العمود الفقري للمطبخ الموريتاني والركيزة الغذائية الأولى في المجتمع.
هذا التفضيل يعود إلى أسباب ثقافية واقتصادية و جغرافية عميقة.
و مع ذلك شهدت أسعارها هي الأخري ارتفاعا مذهلا و متكررا و بشكل لا يطاق ،
كل ذلك مرده جشع التجار و المضاربات الإحتكارية و غياب الرقابة الصارمة علي الأسواق و السلع الأساسية ،
ماذا لو أنقرض السمك أو تدهورت الثروة الحيوانية بشكل حاد ؟!
إن هذا التناقض الصارخ يعود في جوهره إلى سياسة تكافؤ أسعار التصدير فحين ينفتح المنتج أو المستثمر أو التاجر المحلي على الأسواق الخارجية، يتوقف تماماً عن تقييم سلعته بناءا على القدرة الشرائية الضعيفة للمواطن،
و يعمد إلى مواءمتها مع الأسعار العالمية والعملة الصعبة. ومن يجد مشترياً أجنبياً يدفع له أضعافاً مضاعفة، فلن يرضى ببيع خيرات الأرض والبحر محلياً بسعر عادل،
مما يتسبب في تفريغ السوق الداخلي من معروضه و ترك المواطن غريباً في بلد الخيرات، يدفع ثمن منافسة عالمية لا ناقة له فيها ولا جمل.
إن ترك السوق المحلي مكشوفاً تماماً أمام شهية التصدير، في غياب آليات حمائية صارمة تفرض حصصاً إلزامية للاستهلاك الداخلي بأسعار موجهة، يحول الثروات الوطنية من نعمة و وفرة إلى عبء يرهق كاهل المواطن المطالب دوماً بدفع ضريبة تصدير ثروات بلاده من جيبه الخاص .
حفظ الله موريتانيا


.gif)

.jpg)


.jpg)