
قال محمد الأمين خطاري، الصحفي والخبير في قضايا الهجرة، إن ليبيا كانت ولا تزال إحدى أهم المعابر نحو أوروبا، مشيراً إلى أن الجميع يذكر عشرات الجثث التي طفت على شواطئ أوروبا لمهاجرين عبروا من طريق ليبيا.
وأوضح مساء أمس الأثنين خلال مقابلة له مع قناة TTV أن مساراً طويلاً كان قائماً من دول الساحل في اتجاه النيجر ثم ليبيا، عبر مسارات متعددة تخطط لها مافيا توصف بأنها مافيا دولية لتهريب المهاجرين.
وأشار إلى أن إعفاء الموريتانيين من التأشيرة الليبية قد يفتح احتمالاً لظهور مسار جديد أمام بعض الراغبين في الهجرة نحو أوروبا عن طريق ليبيا، لكنه أكد أن أغلب المهاجرين غير النظاميين، وليس جميعهم، ليسوا من الموريتانيين.
وأضاف أن أي خط جديد يستهدف ليبيا نتيجة إعفاء الموريتانيين من التأشيرة سيكون، على الأرجح، محدوداً، بحكم أن غالبية الموريتانيين، وإن كانت أعدادهم التي تتجه عبر البحر نحو الشواطئ الأوروبية قد ارتفعت في الفترات الأخيرة، تظل نسبتهم قليلة مقارنة بدول الجوار، مثل السنغال ومالي وغيرها من الدول الإفريقية.
وأكد أن إعفاء الموريتانيين من التأشيرة له أهمية في سياقه الاقتصادي، وفي سياق تدعيم التقارب والتداخل والاندماج المغاربي، إلا أن المهتمين بملف الهجرة ينظرون أيضاً إلى القرار باعتباره احتمالاً لفتح ثغرة قد تكون في صالح بعض المنظمات التي تعمل في مجال الهجرة غير النظامية.
واستحضر التجربة الموريتانية السابقة، موضحاً أن موريتانيا كانت تعفي مواطني بعض الدول الآسيوية ودول أخرى من التأشيرة، قبل أن يُستخدم هذا الإعفاء من طرف بعضهم كطريق نحو أوروبا عبر الأراضي الموريتانية، الأمر الذي اضطر السلطات الموريتانية إلى فرض التأشيرات.
وقال إنه لا يعتقد أن الأمر سيحصل بالطريقة نفسها في ليبيا، بحكم أن غالبية الموريتانيين، كما ذكر، ليسوا ممن يتشجعون على الهجرة غير النظامية.
وأوضح أن الموريتانيين، بحكم طبيعتهم كشعوب صحراوية، يميلون إلى طرق الهجرة عبر الأراضي والصحراء والحدود المفتوحة براً، وليس عبر البحر.
لكنه أضاف أن ذلك لا يعني أن الإعفاء من التأشيرة لن يكون إحدى الثغرات التي يمكن أن تتسلل من خلالها مافيات الهجرة العابرة للقارات، ومن بينها بعض الموريتانيين الذين قد يستفيدون من الإعفاء من التأشيرة الليبية.
وأشار إلى أن الطريق الليبي وشواطئ ليبيا كانا مقصداً للعديد من الدول الإفريقية، ولا شك أن موريتانيا قد تكون إحدى هذه الدول، أو أن المهاجرين الموريتانيين قد يكونون ضمن هذه الموجات، خصوصاً إذا أصبح الدخول إلى ليبيا سهلاً بسبب الإعفاء من التأشيرة.
لكنه عاد وأكد أن غالبية من يهاجرون عبر المياه والشواطئ، حسب الإحصائيات التي أشار إليها، لا يمثل الموريتانيون منهم سوى نحو 7 إلى 10 في المائة.
وأوضح أن المهاجرين الذين يحملون الجنسية الموريتانية، وهم المعنيون بالإعفاء من التأشيرة الليبية، لم يكونوا من الغالبية التي تحبذ الهجرة غير النظامية عن طريق ما يسمى بزوارق الموت وعن طريق البحر.
وأضاف أن ذلك، مع ذلك، لا يلغي فرضية أن يكون إلغاء التأشيرة بداية لفتح مسار جديد للهجرة نحو أوروبا عبر شواطئ ليبيا.
وفي ما يتعلق بتطور مسارات الهجرة في المنطقة، أوضح الخطاري أن العمليات التي أدت إلى تشديد الرقابة على الحدود والمسارات الموريتانية المؤدية إلى جزر الكناري، إضافة إلى ما قامت به المغرب والجزائر من عمليات مشابهة، حدّت من إمكانية الوصول إلى الشواطئ الأوروبية.
وأشار إلى أن هذه التطورات جعلت ليبيا، في مرحلة من المراحل، وجهة مستحبة لدى العديد من المهاجرين.
لكنه أكد أن الإجراءات الأخيرة، إلى جانب حالة انعدام الأمن التي تشهدها بعض المناطق في ليبيا، أدت إلى تراجع نسبي في أعداد المهاجرين الأفارقة الراغبين في الوصول إلى الأراضي الأوروبية.
وأضاف أن ذلك لا يلغي فرضية أن يمثل إعفاء الموريتانيين من التأشيرة الليبية مؤشراً قد يثير اهتمام شبكات الهجرة، خصوصاً إذا تم اتخاذ إجراء مشابه مع باقي دول الجوار الإفريقي.
وأوضح أن ذلك قد يثير اهتمام شبكات الهجرة الساعية دائماً إلى فتح ثغرة في المجال المغاربي تلج من خلالها نحو حلم الهجرة الأوروبية.
وأكد أن مافيات الهجرة العابرة للقارات تلعب على وتر تغذية الراغبين في الهجرة بسيل من المعلومات المضللة، وتعمل على أي دعاية يمكن الاستناد إليها في محاولة إغراء ضحاياها من المهاجرين غير النظاميين والحالمين بمستقبل أفضل في أوروبا.
وأشار إلى أن هذه الشبكات تستخدم كل الوسائل الممكنة، وقد تكون مسألة الإعفاء من التأشيرة إحدى الأدوات التي تستند إليها في تعبئة وتغذية الشعور بإمكانية الوصول إلى أوروبا، والتحفيز على الوصول إلى الأراضي الأوروبية عبر ليبيا.
وأضاف أن هذه الشبكات تعمل بشكل موسع وكبير في مجال الدعاية، لأنها تعتبر كل مهاجر بمثابة رأسمال، وكل ضحية لأحلام الهجرة رصيداً مالياً يمكن استغلاله.
وأوضح أنها تستخدم مختلف أشكال الدعاية، الممكنة وغير الممكنة، وحتى الكاذبة، ولذلك ليس مستبعداً أن يكون الإعفاء من التأشيرة إحدى الأدوات التي قد تستند إليها هذه المنظمات في استجلاب أكبر عدد ممكن من المخدوعين بحلم ومغامرة الهجرة نحو أوروبا.
وفي ما يتعلق بالمخاطر التي تواجه المهاجرين داخل ليبيا، قال الخطاري إن ليبيا تعتبر، حسب تصنيف المنظمات المهتمة بحقوق المهاجرين، من بين البلدان الأخطر على المهاجرين.
وأشار إلى أن منظمات، من بينها منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية أخرى، رصدت الكثير من الانتهاكات ضد المهاجرين.
وأوضح أن هناك شهادات حية لبعض الأشخاص الذين وصلوا إلى الشواطئ الأوروبية، تحدثوا فيها عن التعذيب والعنف الجسدي والاغتصاب وعمليات وانتهاكات تعرض لها المهاجرون غير النظاميين وهم في طريقهم نحو ليبيا وداخل ليبيا، وحتى قبل خوض مغامرة البحر نحو أوروبا.
وأضاف أن شهادات كثيرة تتحدث عن استخدام مافيات الهجرة ضحاياها في عمليات الابتزاز، من خلال استجلاب أموال إضافية منهم تتجاوز ما تم الاتفاق عليه.
ولفت إلى أن المهاجرين يتعرضون أيضاً لمخاطر كبيرة داخل الأراضي الليبية، بسبب حالة عدم الضبط الأمني وحالة الاحتراب الداخلي.
وأشار، بحسب ما نسبه إلى منظمة العفو الدولية، إلى أن بعض الميليشيات تحولت إلى ميليشيات لمطاردة المهاجرين وانتهاكهم جنسياً وجسدياً.
وأكد أن ليبيا لا تزال، نتيجة هذه الظروف، مصنفة ضمن الدول الأخطر في مسارات الهجرة.
وفي ما يتعلق بانعكاس المسار الليبي المحتمل على التعاون الموريتاني الأوروبي في مجال مكافحة الهجرة، قال الخطاري إنه لا يعتقد أن هذا المسار سيؤثر على مستوى التعاون الأوروبي الموريتاني في مجال الهجرة.
وأوضح أن الحديث لا يزال يتعلق بمسار افتراضي حتى اللحظة، بالتزامن مع الإعفاء من التأشيرة، ولا يمكن الجزم بأن إعفاء ليبيا للموريتانيين من التأشيرة جاء بمناسبة فتح مسار للهجرة.
وأشار إلى أن القرار قد يكون مرتبطاً بفتح مسار للتعاون الاقتصادي والمزيد من الاندماج المغاربي.
وأضاف أنه، بما أن السياق يتصل بملف الهجرة، فإن احتمال استغلال القرار في هذا المجال يظل مطروحاً، لكنه لا يرقى إلى درجة التأثير على مستوى التعاون الأوروبي الموريتاني في مجال الهجرة، ولا على الاتفاقات الخاصة المبرمة بين موريتانيا ودول الاتحاد الأوروبي.
وأكد أن قرارات الإعفاء من التأشيرة التي تتخذها الدول تخضع عادة لمساطر يراعى فيها سلوكيات المهاجرين أو الأشخاص الراغبين في الذهاب إلى البلد المعني، وكيفية تعاملهم مع البلد وكيفية استغلالهم للتأشيرة التي تتيح لهم الدخول.
وأوضح أن الدول تجري، في هذا السياق، مراجعات وتقييماً للتجربة، وعلى أساسها يمكن أن يستمر الإعفاء أو تعلن شروط وإجراءات معينة.
وأشار إلى أن كل ذلك يظل خاضعاً لما يمكن أن يحدث خلال تجربة الإعفاء بين موريتانيا وليبيا.
وأضاف أن المسار لا يزال في بداياته، ولا يمكن الحكم عليه قبل مرور أشهر على الأقل من سريان مفعول الإعفاء، وقبل أن تتضح معالم حركة الموريتانيين إلى ليبيا، وكيفية تعاملهم وتعاطيهم مع الوضع بشكل عام هناك، بما في ذلك الاقتصاد والمجتمع والهجرة، التي تمثل أساس هذا النقاش.
وقال إن مرصد الأطلس الساحلي للهجرة لا يرى، في الوقت الحالي، أن الإعفاء من التأشيرة يمثل فتحاً لطريق جديد للهجرة.
واعتبر أن الحديث عن أن الإعفاء من التأشيرة بين موريتانيا وليبيا يمثل فتح طريق جديد للهجرة ينطوي على الكثير من المبالغة والتضخيم.
وأوضح أن النظر إلى الإعفاء يجب أن يكون، في الأساس، من شقه الاقتصادي، مؤكداً أن المرصد لا يعتقد أنه سيؤثر بشكل كبير على مسارات الهجرة غير القانونية.
وعاد ليؤكد أن غالبية الموريتانيين يميلون إلى الهجرة بحراً، وأن غالبية من يصلون إلى الشواطئ، إذا أخذنا مثال الطريق عبر الأراضي الموريتانية نحو جزر الكناري، لا تتجاوز نسبة الموريتانيين بينهم، وفق الأرقام التي ذكرها، نحو 7 إلى 10 في المائة.
وأشار إلى أن بقية النسبة تتوزع بين الماليين والسنغاليين والغينيين وغيرهم من الدول الإفريقية ودول الساحل المجاورة.
وأكد لذلك أنه لا يعتقد أن الموضوع سيصل إلى درجة الإشكال، وإن كان من غير المستبعد أن يستغل بعض الأشخاص هذا الإعفاء كذريعة أو أداة للبحث عن منافذ للهجرة نحو أوروبا.
وختم بالتأكيد على أن الحديث عن فتح مسار للهجرة بالتزامن مع الإعفاء من التأشيرة بين ليبيا وموريتانيا يظل، في الوقت الراهن، مبالغاً فيه، ولا يستند إلى مؤشرات كافية تجعل منه مساراً قائماً بالفعل.


.gif)

.jpg)


.jpg)