مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

تعليق على حرائق المحطات الكهربائية

تطرح حوادث احتراق المحطات التحويلية المتتالية في العاصمة—بدءاً من المحطة الشرقية وصولاً إلى المحطة الشمالية في تفرغ زينة—تساؤلات ملحة تتجاوز بيان "الأسباب الخارجة عن الإرادة". 

إن تعطيل شبكة الجهد المتوسط (33/15 كيلوفولت) وانقطاع الخدمة عن مقاطعات كاملة يمثل كلفة اقتصادية واجتماعية باهظة، تدفعنا لإعادة قراءة الحادثة عبر منظور الرقابة والمحاسبة المؤسسية.

أولاً: كيف يتحول الفساد الإداري إلى "شرارة كهربائية"؟
في الأدبيات التحليلية لإدارة المرافق العامة، نادراً ما تبدأ الحرائق الضخمة من لا شيء؛ بل تكون غالباً نتيجة تراكمات لثغرات حوكمة متعددة:
 - اختلال سلاسل التوريد والجودة: التهاون في تطبيق دفتر الشروط أثناء شراء المولدات والمحولات أو القواطع الكهربائية يفتح الباب لتوريد معدات مقلدة أو ذات جودة متدنية، لا تحتمل الضغط الحراري أو التشغيلي العالي.

 - تسريب ميزانيات الصيانة: الصيانة الوقائية أداة حماية استباقية؛ وعندما تتراجع فعالية الصيانة لصالح ترحيل المخصصات المالية أو إنفاقها شكلياً، تصبح أجهزة التبريد ونظم الحماية الذاتية أول العاطلين.

 - ثقافة إفلات المسؤولين من المحاسبة: غياب الشفافية في إعلان نتائج التفتيش عقب كل عطل كبير يحول الأخطاء البشرية والإهمال الجسيم إلى مجرد "ظروف طارئة"، مما يرفع من معدل استهانة المقاولين والفنيين بمعايير الأمان.

ثانياً: تجارب دولية.. التحقيقات تكشف المسكوت عنه
توضح التجارب الدولية أن الحوادث المماثلة غالباً ما كشفت عن ملفات فساد معقدة بعد خضوعها لتحقيقات رقابية وجنائية مستقلة:
 - جنوب أفريقيا (كارثة محطة كويغا - 2023): عقب حريق وانفجار أخرج محطة تحويل رئيسية عن الخدمة، كشفت التحقيقات الجنائية أن العطل لم يكن عرضياً، بل نتج عن استخدام مكونات مغشوشة جرى توريدها عبر صفقات مشبوهة. 

أسفر التحقيق عن توقيف 7 مسؤولين رفيعي المستوى بتهم الاحتيال وتفكيك شبكات توريد غير مطابقة للمواصفات.

- جنوب أفريقيا (سلسلة حرائق City Power): أظهرت التحقيقات بين عامي 2019 و2026 في حرائق المحطات التحويلية بـ "إلدورادو بارك" وجود شبكات داخلية تقوم بسرقات منظمة لقواطع الجهد العالي وإعادة بيعها للمؤسسة ذاتها كقطع غيار جديدة، إلى جانب صرف مبالغ صيانة لمقاولين وهميين.

 - لبنان (انفجارات ومحولات مؤسسة الكهرباء): أثبتت التقارير الرقابية حول الحرائق المتكررة في محطات الذوق والفيّة أن الهدر المالي وغياب الصيانة الدورية، رغم صرف مليارات الدولارات على القطاع، كانا السبب المباشر للتدهور الفني وتلف التجهيزات.

نحو تفعيل الرقابة المستقلة

إن حماية المال العام والبنية التحتية الحيوية تتطلب تجاوُز الحلول الترقيعية عند وقوع الحوادث. والمطلوب اليوم هو فتح تحقيق فني ومالي مستقل عبر محكمة الحسابات والمفتشية العامة للدولة، لمراجعة عقود الإنشاء والصيانة، التأكد من سلامة سلاسل التوريد، وتحديد المسؤوليات بدقة لضمان عدم تكرار مثل هذه الصدمات الخدمية.

الكاتب والمحلل الاقتصادي: الهادي ولد ابوه

سبت, 22/08/2026 - 16:50