
متى تتوقف دوامة المخدرات في موريتانيا، حتى لا تصبح أخبار ضبطها وكأنها أخبار عادية وروتينية؟
يكاد لا يمر يوم دون أن نقرأ عن توقيف شبكة، أو حجز كمية من المخدرات، أو ضبط أقراص مخدرة، أو إحباط عملية تهريب. والأخطر أن تكرار هذه الأخبار بدأ يفقدها وقعها على الرأي العام، وكأننا أمام ظاهرة عابرة، بينما المؤشرات تقول إن الأمر يستحق أن يُعامل باعتباره ملفاً وطنياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً بالغ الخطورة.
ففي الأسابيع الأخيرة وحدها، أعلنت الأجهزة الأمنية عن تفكيك شبكات وضبط كميات معتبرة من المخدرات والمؤثرات العقلية في نواكشوط وعدد من الولايات. وتحدثت حصيلة منشورة في منتصف أغسطس 2026 عن تفكيك ما لا يقل عن 10 شبكات منذ بداية يوليو، وتوقيف أكثر من 40 شخصاً، مع حجز أكثر من 20 كيلوغراماً من المخدرات وأكثر من 10 آلاف قرص من المؤثرات العقلية. كما شهدت نواذيبو عملية حُجز خلالها أكثر من 6 كيلوغرامات من المخدرات.
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً.
هل كثرة عمليات الحجز تعني أن الأجهزة الأمنية أصبحت أكثر نجاحاً في اكتشاف الشبكات، أم أنها تعكس في الوقت نفسه اتساع حجم النشاط نفسه؟
قد يكون الجواب مزيجاً من الاثنين. فنجاح الأجهزة في الوصول إلى الشبكات وتفكيكها أمر يستحق التقدير، لكن كثرة القضايا وتنوعها وانتشارها جغرافياً تجعل من المشروع أن نسأل: كم شحنة لم تُكتشف؟ وكم شبكة لم تصل إليها التحقيقات؟ وكم شاباً أصبح مستهلكاً لهذه المواد دون أن يظهر اسمه في أي محضر أمني؟
المسألة لم تعد مجرد «مخدرات يتم ضبطها».
نحن أمام اقتصاد خفي له موردون وناقلون ومخازن وموزعون ومستهلكون وأموال تتحرك في الخفاء. وقد سبق أن أشارت معطيات منشورة إلى تفكيك 12 خلية للتهريب والتجارة وإحالة أكثر من 1193 شخصاً إلى العدالة خلال ثلاث سنوات.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأكبر:
ماذا يحدث بصدق؟
عندما تتزامن أخبار المخدرات مع الحديث عن تهريب العملات الصعبة والذهب، فإننا لا ينبغي أن ننظر إلى كل ملف باعتباره حادثة منفصلة. نحن بحاجة إلى فهم الصورة الاقتصادية والأمنية كاملة: من أين تأتي الأموال؟ إلى أين تذهب؟ من يمول عمليات التهريب؟ كيف تتحرك الأموال؟ ومن المستفيد النهائي؟
فالذهب، مثلاً، يمثل مورداً اقتصادياً مهماً للبلاد، وقد بلغت صادراته نحو 143 مليار أوقية قديمة في الفصل الأول من 2025 وفق بيانات نقلتها وسائل إعلام عن الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي والاقتصادي.
ولهذا فإن أي حديث عن تهريب الذهب أو العملات الصعبة لا ينبغي أن يبقى مجرد خبر أمني؛ بل يجب أن يتحول إلى سؤال عن حماية الاقتصاد الوطني ومراقبة حركة الأموال وتجفيف مصادر تمويل الجريمة المنظمة.
لا أريد أن أطلق اتهامات على أحد، ولا أن أبني استنتاجات أكبر من المعطيات المتاحة، لكنني أعتقد أن الوقت حان لطرح الأسئلة الصعبة.
هل نحن أمام نشاط إجرامي متفرق، أم أمام شبكات أكثر تنظيماً مما نتصور؟
هل موريتانيا مجرد محطة عبور، أم أن السوق الداخلية أصبحت جزءاً متزايداً من هذا النشاط؟
هل هناك علاقة بين بعض شبكات المخدرات وشبكات غسل الأموال والتهريب المالي؟
وهل منظومة الرقابة على الحدود وحركة الأموال والذهب قادرة فعلاً على مواجهة هذا النوع الجديد من الجريمة المنظمة؟
الأمن لا يعني فقط أن نضبط الشحنة بعد وصولها.
الأمن الحقيقي هو أن نعرف من أين جاءت، ومن موّلها، ومن كان ينتظرها، ومن كان سيستفيد منها، وكيف تحركت الأموال المرتبطة بها.
كما أن المعالجة لا يمكن أن تكون أمنية فقط. فالمخدرات التي تصل إلى السوق تحتاج إلى سوق يستهلكها، وهذا يعني أننا أمام معركة وعي وتربية وأسرة ومدرسة وإعلام وشباب، بالتوازي مع عمل الشرطة والدرك والجمارك والقضاء.
لقد حان الوقت لإنشاء لوحة وطنية متكاملة للمؤشرات: عدد القضايا، أنواع المخدرات، الكميات المحجوزة، طرق التهريب، المناطق الأكثر تعرضاً، الشبكات المفككة، الأموال المصادرة، والأحكام القضائية الصادرة.
عندها فقط نستطيع أن ننتقل من سؤال: «كم ضبطنا اليوم؟» إلى السؤال الأهم:
«هل يتراجع خطر المخدرات فعلاً، أم أننا فقط أصبحنا أفضل في اكتشاف جزء منه؟»
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس دخول المخدرات إلى البلاد فقط، وإنما أن نتعود على خبر دخولها وضبطها حتى يصبح خبراً عادياً.
المخدرات ليست خبراً يومياً.
إنها إنذار يومي.
والسؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعاً هو: إلى متى؟


.gif)

.jpg)


.jpg)