مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

جنرال متقاعد يكتب عن التداول على السلطة

كتب الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف: "عندما يصبح التداولية على السلطة ضرورة وطنية

منذ سنوات عديدة، يضجّ الفضاء العام بالتحليلات والتقارير والتعليقات والمواقف التي ترصد بدقة اختلالات الدولة وأوجه القصور في مؤسساتها. ففي كل أسبوع تتكشف معطيات جديدة حول ضعف الإدارة، وتردّي الخدمات العمومية، واختلالات الحوكمة، وتعثر مسارات التنمية، ومحدودية أداء العدالة، ونواقص المنظومة التعليمية، وصعوبات القطاع الصحي، فضلاً عن الانحرافات التي تطبع إدارة الشأن الاقتصادي.

وللوهلة الأولى، قد يُنظر إلى هذا الزخم من التشخيصات باعتباره دليلاً على يقظة مجتمعية وإرادة جماعية للإصلاح. غير أن تراكم الملاحظات والانتقادات، رغم أن الأسباب العميقة للإخفاقات أصبحت معروفة ومحددة وموثقة على نطاق واسع، يفرض تساؤلاً جوهرياً: لماذا لا يتغير شيء، رغم تزايد الأدلة على الفشل وتكاثر الشواهد عليه؟

إننا نصف الأعراض من دون مساءلة البنية التي تنتجها، وندين النتائج من دون معالجة أسبابها، ونطالب بتحسينات جزئية في وقت أصبحت فيه الوقائع نفسها تطرح مسألة التغيير البنيوي الشامل.

فالمثقفون، والأطر ، ومنظمات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والشخصيات المستقلة، يتحركون في كثير من الأحيان داخل دوائر متفرقة، من دون تنسيق استراتيجي مستدام. فلكل طرف تشخيصه الخاص، ومعركته الخاصة، وأهدافه الخاصة. وقد أفضى هذا التشتت إلى تعطيل تشكّل قوة وطنية متماسكة، قادرة على فرض نموذج للحكم يستجيب لخصوصيات البلاد ويلبّي تطلعات شعبها.

ومن بين أشد المعارضين نقداً للواقع القائم، هناك من يخشى تداعيات أي تحول عميق قد يقود إلى عدم الاستقرار أو النزاعات أو إضعاف المؤسسات. وهذه المخاوف تدفع كثيراً من الفاعلين السياسيين إلى تفضيل الإصلاحات التدريجية، حتى عندما يساورهم الشك في جدواها وفعاليتها.

غير أنه عندما يعجز نظام سياسي عن إصلاح نفسه رغم تراكم الإخفاقات، وعندما تتكرر المشكلات ذاتها عاماً بعد عام رغم الوعود المتواصلة بالتغيير، وعندما تنتج المؤسسات من العراقيل أكثر مما تنتج من الحلول، فإن مسألة التداول على السلطة تكفّ عن أن تكون مجرد خيار سياسي، لتتحول إلى ضرورة وطنية.

ولا يعني ذلك بالضرورة الدعوة إلى قطيعة فوضوية أو إلى تغيير غير محسوب العواقب، وإنما يعني الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على آليات حقيقية وفعالة لمراقبة السلطة، وعلى فصل فعلي بين السلطات، وعلى تكريس المسؤولية والمساءلة العموميتين، وعلى الشفافية في إدارة الشأن العام، وعلى الاحترام الكامل لإرادة الشعب وسيادته.

فالقضية ليست مجرد استبدال رجال برجال آخرين، وإنما تتعلق باستبدال منطق حكم بمنطق آخر، والانتقال من ثقافة تقوم على استدامة السلطة واحتكارها إلى ثقافة سياسية قوامها التداول السلمي على السلطة، والمساءلة، وتغليب المصلحة العامة.

ومن هذا المنطلق، فإن القوى الوطنية المشار إليها سابق ، من مثقفين وأطر وأحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات مستقلة ، لم يعد يكفيها الاكتفاء بالمراقبة أو التحليل أو التنديد. إن مسؤوليتها التاريخية تقتضي منها تجاوز خلافاتها الثانوية، وحساسياتها الشخصية، وحساباتها الضيقة، ومصالحها الظرفية. فالمرحلة الراهنة تفرض عليها أن تتحدث بصوت واحد، وأن تعمل بيد واحدة، وأن تبني جبهة وطنية واسعة قادرة على حمل مشروع مشترك للتغيير.

فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تولد من تشتت الطاقات، بل من توحيدها حول هدف وطني جامع. وعندما تكون مصلحة الوطن على المحك، فإن الطموحات الفردية ينبغي أن تتراجع أمام متطلبات الإنقاذ الوطني.

إن الأمم تتقدم حين تتوقف نخبها الفكرية والسياسية والاجتماعية عن إدارة النتائج وتبدأ في معالجة الأسباب. كما أن التحولات التاريخية الكبرى تنشأ عندما يتشكل وعي جماعي بأن الإطار القائم لم يعد قادراً على الاستجابة لتطلعات الشعب المشروعة.

ومن ثم، فإن السؤال المركزي لم يعد: كيف يمكن إصلاح اختلالات نظام ظل ينتجها على مدى سنوات طويلة؟ بل أصبح: متى تصبح إعادة تأسيس الدولة ضرورة لا مفر منها؟

وعندئذ ينبغي أن يرتقي النقاش الوطني إلى مستوى طموح أكبر، يتمثل في بناء أسس دولة أكثر عدلاً، وأكثر مسؤولية، وأكثر كفاءة، وأكثر انسجاماً مع التطلعات المشروعة للأمة.

فلا مجتمع يستطيع أن يحقق الازدهار المستدام من دون تداول على السلطة، ولا ديمقراطية يمكن أن تترسخ من دون مساءلة ومسؤولية، ولا وطن يمكن إنقاذه إذا ظل الساعون إلى التغيير متفرقين ومتباعدين في مواجهة نظام موحد في إرادته ومتماسك في سعيه إلى البقاء .

اثنين, 17/08/2026 - 13:30