
تم الإفصاح صباح اليوم عن بعض مضامين تقرير المفتشية العامة للدولة قبل تسليمه رسميا لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ،
و بعد ان أعلنت المفتشية العامة في وقت سابق نيتها نشر ما يمكن اتاحته من نتائج أعمالها بشكل تدريجي،
و قد كشف التقرير عن اختلالات مالية كبيرة تقدر بمليارات الأوقية،
بالإضافة الي إحالة ملفات جزائية إلي الجهات القضائية المختصة في انتظار تكييفها و تحريكها قضائيا وقد اظهر التقرير إتخاذ إجراءات تأديبية شملت إقالة 20 مسؤولا حكوميا .
في حين بلغ الأثر المالي للإختلالات المسجلة مستويات عالية و خطيرة جدا و صلت أكثر من 23 مليار اوقية قديمة ،
و هو مؤشر واضح علي تفشي الفساد علي نطاق واسع،
أمام غياب و ضعف الرقابة و سهولة الإفلات من العقاب .
ورغم قتامة المشهد، فإن الجهود الرقابية نجحت حسب التقرير في استرداد نحو 5.24 مليار أوقية قديمة، بالإضافة إلى تفعيل إجراءات وقائية استباقية أدت إلى تعليق وترشيد نفقات غير مبررة تجاوزت قيمتها 12.98 مليار أوقية قديمة، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الصرامة في حماية المال العام و فرض سيادة القانون.
و قد أثارت تصريحات و توجهات المفتشية العامة للدولة بشأن نشر نتائج أعمالها بشكل تدريجي و توجهها لإتاحة مضامين تقريرها السنوي
( 2024 - 2025 )
تفاعلات متباينة و إستياءا واسعا في الأوساط الإعلامية و الشعبية ،
تركز حول توقيت النشر و غياب تفاصيل بعض الأسماء و نسب الاختلالات المالية المسجلة ،
حيث انتقدت أطراف شعبية و مراقبين للشأن العام عدم الكشف عن أسماء المؤسسات المعنية بالتفتيش و المسؤولين المقالين ،
معتبرة ذلك يقلل من نجاعة الشفافية المطلوبة
كما رأت جهات أخري أن خطوة إتاحة التقرير للرأي العام عبر المنصة الرقمية تُمٓثل سابقة مؤسسية في مسار الرقابة علي المال العام و تعزيز حكامة التسيير ،
في الوقت الذي تحاول فيه المفتشية العامة إحاطة عملها بجرعة من التحفظ مبررة ذلك بالحفاظ على مصداقية التحقيقات و سريتها ،
بينما يرى محللون ومراقبون للشأن الوطني أن هذا "التحفظ" قد يحمل في طياته هواجس ومخاوف مشروعة تمس جوهر عملية الإصلاح ومحاربة الفساد.
إن بقاء نتائج تفتيش عام 2024 طي الكتمان لفترات طويلة يثير علامات استفهام كبرى حول الجدوى الزمنية للمحاسبة. ويرى مهتمون بحماية المال العام أن ما يُسمى بـمبدأ الانفتاح التدرجي قد يتحول عن قصد أو غير قصد، إلى غطاء سياسي أو إداري لتأخير إعلان الحقائق،
مما يمنح المتجاوزين فرصة ثمينة لترتيب أوراقهم و طمس معالم الاختلالات المالية والإدارية التي ارتكبوها. فالعدالة المتأخرة في عرف الرقابة، هي عدالة معطلة.
لعل المظهر الأكثر إثارة للقلق في الشارع الموريتاني هو تزامن فترة الكتمان هذه مع صعود وجوه شملتها تحقيقات المفتشية لتبوّء مناصب ومسؤوليات جديدة في هرم الإدارة.
إن مشهد إعادة التدوير يبعث برسائل بالغة السلبية للمجتمع , فهو يهز ثقة المواطن في الشعارات المرفوعة حول حماية المال العام و جدية محاربة الفساد،
ويحجّم من هيبة الأجهزة الرقابية. عندما يرى المواطن أن التحقيق لا يمنع الترقية،
يُصبح الاستنتاج السائد هو أن الفساد لا يترتب عليه ثمن سياسي أو وظيفي .
إن نجاح المفتشية العامة للدولة في مسار عملها الجديد لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُقاس بحجم الأرقام المرصودة، أو بعدد التجاوزات المكتشفة في دفاتر التسيير و اختلاس المال العام. المقياس الحقيقي والوحيد للنجاح هو مدى السرعة والجرأة في ربط هذه التقارير بالمحاسبة الفورية والقضائية و استرداد الأموال المنهوبة .
يجب قطع الطريق أمام ما يُعرف بالهروب إلى الأمام عبر بوابات التعيينات و المحاصصة .
إن لم تكن التقارير متبوعة بقرارات عزل فورية، وإحالة عاجلة إلى القضاء، واسترجاع الأموال المنهوبة، فإنها لن تتعدى كونها حبرًا على ورق.
يقف مسار الإصلاح الراهن في موريتانيا عند مفترق طرق حاسم،
فإما أن تنجح المفتشية العامة للدولة في تحويل هذه الشفافية التدرجية إلى سيف مصلت على رقاب المفسدين يعيد الثقة للمواطن ،
وإما أن تظل وتيرة التدوير الإداري والمجاملات السياسية أسرع بكثير من خطى الإصلاح الرقابي ،
الخشية الكبرى اليوم هي أن يعيد التاريخ نفسه، ونعيش مجددًا تجربة تقارير محكمة الحسابات الأخيرة التي تفاءل بها الشارع طويلاً ثم وصفتها النخب والمدونون لاحقًا بأنها كانت مجرد جعجعة بلا طحين. الثقة العامة أمانة، وحمايتها تبدأ بجرأة القرار وسرعة التنفيذ .
في انتظار مآلات تقرير المفتشية العامة للدولة ،
نتطلع إلي إنصاف الشعب الموريتاني و محاسبة المتورطين في تبديد المال العام و إسترجاع الأموال المنهوبة إلي خزينة الدولة .
فهل من مدكر ؟!





.gif)

.jpg)


.jpg)