
أتابع باهتمام ما تطرحه بشأن التعايش في موريتانيا، لكنني أختلف معك اختلافًا جوهريًا في المنطلقات والنتائج.
إن دعوتك إلى أن يتحاور كل مكون مع نفسه أولًا، قبل أن يتحاور مع بقية المكونات، تعني – ولو لم يكن ذلك قصدك – أن الشعب الموريتاني ليس شعبًا واحدًا، وإنما كيانات منفصلة تحتاج إلى التفاوض فيما بينها. وهذا منطق لا يخدم الدولة الوطنية، بل يفتح الباب أمام تكريس الانقسام وإضفاء الشرعية على الخطاب الهوياتي.
إن موريتانيا لم تُبنَ على عقد بين أعراق، وإنما على رابطة المواطنة التي تساوي بين جميع أبنائها. وإذا كانت هناك اختلالات أو مظالم، فإن علاجها يكون بالعدالة، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، لا بإعادة رسم الحدود النفسية بين أبناء الوطن الواحد.
أما استدعاء لينين ونظرياته حول القوميات، فهو استدعاء لا يستقيم مع واقع موريتانيا ولا مع تاريخها. فبلادنا ليست نسخة من الاتحاد السوفييتي، ولا تحتاج إلى استيراد نظريات صاغتها ظروف تاريخية مختلفة. نحن نملك من قيم الإسلام، ومن إرثنا الوطني، ومن دستورنا، ما يكفي لبناء تعايش راسخ دون اللجوء إلى وصفات أيديولوجية عفا عليها الزمن.
إنني أدعوك إلى خطاب يوحد ولا يفرق، ويعزز الانتماء إلى موريتانيا قبل أي انتماء آخر، لأن مستقبل هذا البلد لن تصنعه “المكونات”، بل سيصنعه المواطنون الأحرار المتساوون في الحقوق والواجبات.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس إعادة تعريف المجتمع على أسس عرقية، بل بناء دولة المواطنة والعدالة، حيث لا يُسأل الإنسان عن لونه أو أصله، وإنما عن كفاءته وإخلاصه لوطنه.
الدكتور يوسف حرمة بابانا
سياسي موريتاني


.gif)

.jpg)


.jpg)