مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

المدون سلطان البان يكتب: سبع سنوات من تفادي السقوط… فهل تعلّمنا الطيران؟

ليس من السهل أن تُقاس سبع سنوات في عمر دولة بالمديح أو النقد وحدهما، فالدول لا تُختزل في حصيلة أرقام، ولا تُفهم فقط عبر بيانات رسمية أو سجالات سياسية متناثرة. هناك شيء أعمق يتشكل في صمت: مزاج عام، شعور جمعي، وإيقاع خفي يحدد إن كانت البلاد تمضي إلى الأمام أم تدور حول نفسها في دائرة أوسع.

في موريتانيا، خلال السنوات السبع الماضية، لم تكن القصة قصة قفزات كبرى بقدر ما كانت محاولة مستمرة لتثبيت الأرض تحت الأقدام. في منطقة تهتز على وقع الانقلابات والانفجارات والانهيارات، اختارت البلاد أن تمشي ببطء محسوب، كمن يعبر حقل ألغام دون أن يثير الغبار. لم يكن ذلك خيارًا سهلًا، ولا دائمًا مفهومًا لدى جمهور يتطلع إلى نتائج سريعة، لكنه كان خيارًا واعيًا بطبيعة اللحظة الإقليمية.
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لم يقدم نفسه يومًا كقائد صدامي أو صاحب قطيعة دراماتيكية مع الماضي، بل كمهندس توازنات. وهذه الصفة، على ما فيها من تحفظ، هي التي طبعت المرحلة: لا انزلاق نحو الفوضى، ولا اندفاع نحو مغامرات غير محسوبة. في السياسة كما في الأمن، كان الحذر فضيلة، وكان الصبر أداة حكم.

لكن الدول، مهما كانت حذرة، لا تعيش فقط على تجنب الأخطار. فالسؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه السنوات ليس: هل نجونا؟ بل: ماذا بنينا ونحن ننجو؟ هنا تبدأ المنطقة الرمادية التي لا يحبها أنصار السلطة ولا خصومها. فبين خطاب الإنجاز الكامل وخطاب الفشل المطلق، تضيع حقيقة أكثر تعقيدًا: نعم، هناك استقرار نسبي، وانفتاح سياسي محسوب، ومحاولات اجتماعية للتخفيف من الهشاشة. لكن في المقابل، لا يزال المواطن البسيط يواجه يومه بذات الأسئلة القديمة: ماء ينقطع، كهرباء تتعثر، وفرص عمل تتبخر قبل أن تولد.
الفساد، ذلك الكائن الذي يتقن التكيف، لم يُهزم بعد. ربما تغيرت أساليبه، وربما أصبح أقل صخبًا، لكنه لا يزال حاضرًا في التفاصيل الصغيرة التي تلتهم ثقة الناس قبل أن تلتهم المال العام. وما لم تتحول محاربته إلى ثقافة مؤسسية صارمة، فإنه سيبقى قادرًا على النجاة من كل خطاب إصلاحي.

وفي العمق، تظل معركة الدولة الحقيقية هي معركة المعايير: هل تُدار المؤسسات بالكفاءة أم بالولاء؟ هل يُفتح الأفق أمام الشباب أم يُعاد إنتاج نفس الشبكات الضيقة؟ هنا تحديدًا يُقاس الفرق بين الاستقرار كغاية، والاستقرار كمرحلة نحو شيء أكبر. ربما يكون الإنجاز الأهم في هذه السنوات هو أن البلاد لم تنكسر. لكن التحدي الأكبر هو أن لا تكتفي بعدم الانكسار، بل أن تتقدم بثقة نحو نموذج تنموي واضح، يشعر معه المواطن أن الدولة لا تحميه فقط من الخطر، بل تفتح له أفقًا للحياة الكريمة. لا تحتاج الدول إلى كثير من الخطابات بقدر ما تحتاج إلى وضوح في الاتجاه. وموريتانيا اليوم تقف عند مفترق هادئ لكنه حاسم: إما أن تواصل إدارة التوازنات، أو أن تنتقل إلى صناعة التحولات. 
وبين هذا وذاك، يظل الزمن هو الحكم الوحيد الذي لا يجامل أحدًا.

أحد, 02/08/2026 - 08:27