
(الحلقة الأولى: من أين ينبغي أن يبدأ الحوار؟)
سيتطرق هذا العنوان إلى مجموعة من المحاور السياسية والاقتصادية التي نرى أنها ينبغي أن تكون مواضيع أساسية للحوار، ومنعًا للإطالة سيُدمج المحور الاجتماعي في سياقات مختلفة ضمن هذين المحورين. وقد يتطلب كل محور مقالين أو ثلاثة عند الاقتضاء، وعليه فترقبوا سلسلة مقالات حول هذا العنوان.
الحوار: هل هناك ضعف مبدئي؟
أثيرت معلومات تتعلق بالزمن من شأنها أن تضعف جدية الحوار، مفادها أن الفترة المخصصة للحوار شهر واحد، في حين استغرق التحضير له سبعة عشر شهرًا. فكيف تستغرق الترتيبات للحوار وقتًا أطول بكثير من الحوار نفسه؟
ويزداد هذا التساؤل أهمية إذا استحضرنا أن شعار هذا الحوار "لا يستثني أحدًا ولا موضوعًا"؛ مما يفيد أننا لسنا أمام نقاش محدود حول قضية سياسية عابرة، ولا لملء فراغ سياسي، وفي هذه الحالة يفترض ألا يكون الشكل أهم من المضمون بأي وجه!
لا أريد الانصياع للتخمينات القائلة بأن الحوار سينتهي إلى تمرير نوايا مبيتة من خلال محاصصة سياسية بين التيارات الفاعلة في الساحة، أو توزيع جديد للمواقع بين هذه القوى، وإن كان السياق يذكِّر بها. لقد استقر ذلك في أذهان الكثيرين لدرجة جعلت الحوار على المحك.
إن الإصلاحات الجوهرية التي تحتاجها موريتانيا، والتي ينبغي أن تكون من مخرجات الحوار، أعمق من أن تُربط بآجال قصيرة، أو بنقاشات طبقة سياسية متوسطة المستوى يفتقر أغلبها إلى العلم والجدية. ولذلك ينبغي أن يتجه الحوار، في الأساس، إلى وضع الأفكار المؤسسة، أو الإطار المرجعي، لعملية إصلاح شاملة.
كما تضيف طريقة التحضير معطًى جديدًا يدعم ضعف جدية الحوار أيضًا، حيث ستشكل الأطراف السياسية ممثلين عنها في إدارة الحوار وكأننا لا نريد تحاشي التجارب الفاشلة؛ فقد مُنحت اللجنة المستقلة للانتخابات للأحزاب السياسية مما أفقدها مصداقيتها ومشروعيتها وفقًا لقوانينها، وشرعيتها السياسية وفقًا للخلفية التي أُنشئت لأجلها، فقد أصبحت لجنة محاصصة حزبية وها نحن اليوم نطالب باصلاحها. إن وجود السياسيين في غمرة إدارة الحوار سيخلق اكتظاظًا وزحمة سياسية مربكة، وسيخلق مناخًا آخر من الصراعات والمنافسة — حول نوعية وحجم التمثيل ونوعية المواضيع — داخل حقل العملية فنيًا، وهذا أحد عوامل الفشل.
إن التمركز على الطبقة السياسية في هذا الحوار — في حين نعلم أن كفاءاتها ليست كافية لخوض نقاشات معمقة تستهدف إصلاحات عميقة ومتشعبة في القانون والدستور والمناخ السياسي والاقتصاد والحكامة والمجتمع، وما يتطلبه ذلك من بحث معمق عن مقترحات ومقاربات علمية وسياسية موضوعية وجادة — يستدعي إشراك الخبرات الوطنية، واستشارات علمية معمقة حول القضايا الأساسية، ولا سيما الاقتصادية والقانونية، وهو ما يقتضيه العمل بالعنوان الرئيسي للحوار: "فتح باب المشاركة أمام الجميع"، الذي لا يعني السياسيين وحدهم بالتأكيد.
كما أن أي نقاش وطني يستهدف إصلاحات جوهرية لا بد أن يستند إلى مرجعيات كبرى لها مكانتها في المجتمع، وتشكل أساسًا للشرعية السياسية.
وفي اعتقادي أن التاريخ يأتي في مقدمة هذه المرجعيات؛ فالتاريخ المضيء لهذا المجتمع يمتد لأكثر من ألف سنة. إن الدول العظيمة تفتخر بتاريخ أقل من ذلك بكثير وتؤكد على بعدها المصيري، في حين لا يريد أحد ذكر ما لنا من إسهامات كبيرة في التاريخ الإسلامي وفتوحات عظيمة. إن تاريخنا يحمل نجاحات عظيمة وتضحيات سامية، ويشكل البعد الحضاري والثقافي للبلد، بما في ذلك نشر الدين والثقافة والأدب، ومقاومة المحتل وثقافته، وبالتالي فهو جوهري في مثل هذه الأوقات التي تريد فيها الطبقة السياسية، مدعومة بإدارة الدولة، مراجعات كبرى.
فكل الإمبراطوريات والدول الكبرى في العالم التي تملك تاريخًا تعتمد عليه في تطورها، وفي تحديد هويتها وثقافتها وانتمائها الحضاري، وتُعلِّمه أبناءها، وتغرس فيهم ما يزخر به من قيم تفخر بها الأمم، وتعيد رسم تجلياته المضيئة في نفوسهم، وتحفز به مشاعر الاعتزاز والتفوق. ولهذا يعد التاريخ أحد الأصول الرئيسية في ثروة البلد الراسخة، وأحد أهم دوافع الشعور بالتفوق.
بعد ذلك ينبغي تحديد المحاور الأساسية للحوار.
المحور السياسي
النقاشات الأساسية التي يقودها السياسيون ينبغي أن تنطلق من وضعهم هم، من أجل تصحيحه، ولذلك يتعين أن تكون البداية من المحددات التالية:
أولًا: من هو السياسي؟
من المهم أن يتفق المتحاورون على تعريف يحدد من هو السياسي، وما هي أخلاقه، ومن هو البرلماني. إذ ينبغي أن يكون هناك احترام للعلم والتعلم، وأن يكون هناك ميثاق شرف يرفع من أخلاق السياسين ، وبالخطوط الحمراء التي تحدد حدود الانسجام الاجتماعي وغيرها .
فعلى السياسيين أن ينظموا أنفسهم، وأن يترقّوا بخطاباتهم ومفرداتها ومستوى أدائهم قبل محاولة القيام بالإصلاحات الأخرى، حتى يستطيع المجتمع التعرف على السياسي المهني وعلى المتطفل، وعلى العمل السياسي الجديد الذي يسعى صاحبه إلى تحقيق المصلحة العامة.
ومن هنا يجب الفصل بين الأمور بشكل عقلاني؛ إذ ينبغي أن نعرف: هل السياسي هو من يملك أفكارًا وقيمًا وأخلاقًا ومواقف، وقادرٌ على إبداء رأيه في القضايا العامة انطلاقًا من خلفيات وثوابت؟ أم أنه أي شخص يملك قاموسًا من الشتائم والبذاءات، يهتف له الناس ويصفقون له ولا يتقيد بأي ميثاق ؟
إن العمل السياسي في كل العالم، ولدى جميع الشعوب، له أصول وضوابط أخلاقية وسياسية. والسياسي له مواقف وآراء وأفكار يعرفه الناس من خلالها، ولذلك فإن على السياسيين أن يبدأوا بأنفسهم ويصلحوا حقلهم أولًا.
ثانيًا: ما هو الحزب؟
الحزب هو تجمع لأفراد حول مشروع سياسي له بعد حضاري، وهو مؤسسة سياسية تتطور وتتغير قياداتها ومواقعها في الساحة بناءً على الفاعلية، والتفاعل الداخلي، والنشاط السياسي، والمثابرة.
بينما نشاهد عندنا، في كثير من الأحيان، ملكيات فردية تحمل عناوين حزبية مرتبطة بأشخاص على امتداد الزمن، وبالتالي لا توجد ديناميكية سياسية أو فكرية حقيقية. وهذا ما خلق الجمود السياسي والفكري، وجعل البلد يحجم عن التطور والرقي السياسي؛ لأن الحزب يخضع لشخص وليس لمشروع، وهذا الشخص هو صاحب القرار، وصاحب التمويل، وصاحب المفاوضات.
كما أن الأحزاب، في الفترة الأخيرة، غاب عنها البعد الأخلاقي، وأصبحت تبيع فرص الترشح — خصوصًا الفرص الأكثر حظًا في النجاح — لأشخاص من خارج أحزابها، مكوِّنة بذلك ثروة شخصية وشعبية مزيفة. وهكذا غاب البعد الأخلاقي، وبقي البعد التجاري، إضافة إلى البعد التقليدي الذي يتمثل في بيع المواقف والتصريحات، والسباق نحو إرضاء الحاكم وتجنّب إغضابه.
وقد أدى ذلك إلى افتقاد الأحزاب للفاعلية السياسية والالتحام بالجماهير، التي لم تعد ترى فيها تعبيرًا حقيقيًا عن آمالها، بل تعتبرها وسيلة لتحقيق المصالح. وهكذا تراجعت الثقة فيها، واتجه المواطن نحو القبائل التي تحميه وتدافع عنه وعن فرص توظيفه.
كما أن عدد الأحزاب الذي أصبح يطاول السبعين أصبح مربكًا للناخب عندما يكون أمام بطاقة تصويت تضم أكثر من 50 حزباً، وللعملية الانتخابية نفسها، ومكلفًا كذلك، ويوحي بانعدام الثقة في البرامج وفي الفاعلين السياسيين. فقد أصبح كل شخص قادرًا على جمع مجموعة محددة من الناس بأي طريقة يمكنه أن يحصل على ترخيص لحزب، وبالتالي أصبحت وتيرة الانشطار السياسي كبيرة جدًا، وتحول الطيف السياسي إلى فسيفساء دقيقة، تعطي صورة غير وردية عن الحالة السياسية في البلد، وتوحي بتشتت كبير في أفكار النخبة وعدم ثقتها ببعضها، وهو ما ينعكس على ثقة الشعب بها.
لقد استحوذت الأحزاب على العملية السياسية بكاملها لنفسها، دون أي محاولة لترقية وعي المواطن ومشاركته الفاعلة في العملية السياسية، فقد احتكرت الترشح من داخلها، مخلّةً بمبدأ دستوري وهو عدم تقييد حق الترشح.
كما جعلت اللجنة المستقلة للانتخابات هيئة مكونة من ممثلين للأحزاب، في حين أن ذلك يتناقض مع مبدئها الذي يقوم على الاستقلالية عن جميع الفرقاء، وما يقتضيه ذلك من استقلالية أعضائها.
كما تغير الهدف العميق لهذه اللجنة؛ فهي أداة وظيفية تعمل على تحسين ظروف وشروط العملية السياسية خلال فترة الانتخابات، والمساهمة في منع تزوير إرادة الناخب، ودعم فرص تثمين صوته، ودفعه إلى المشاركة في العملية السياسية بصوت مفيد، من خلال تقليص حجم الأصوات اللاغية.
إن هذه النمطية منعت اللجنة من أن تكون إطارًا مؤسسيًا قائمًا بذاته، يدعم التراكم والخبرة، بسبب مسح الطاولة في كل مرة عند التجديد.
ثالثًا: شروط الترشح
تخضع شروط الترشح لدينا لمسطرة بسيطة تفتقر إلى محددات صارمة ترتقي بالمخرجات وبمستوى المؤسسات.
إن غياب شروط مسبقة وأساسية للترشح، مثل السيرة الذاتية التي يتعرف من خلالها الناخب على المستوى التحصيلي أو الخبرة، وعلى حسن السيرة والسلوك، وعلى معلومات عدلية موثوقة (عكس تلك التي تباع في الوراقات وعلى قارعة طريق قصر العدل)، يجعل المؤسسات ضعيفة وعقيمة وغير قابلة للتطور والنفع. كما أن شروط الترشح لا تتضمن مستوى أكاديميًا محددًا، خصوصًا أن الأمر يتعلق بعمل معرفي وحضاري؛ إما إدارة مرفق حيوي مثل البلدية، أو الالتحاق بمؤسسة تشريعية، وكل ذلك يتطلب تحديد مستوى تعليمي أدنى.
إن مستوى التساهل في شروط الترشح جعل أصحاب السوابق، ومن لم يحظوا بالتربية اللازمة، والمتسربين من التعليم، يجدون الطريق سالكًا للترشح.
وهنا تبرز أهمية العودة إلى وظيفتين ضبطيتين تقليديتين اختفتا من مجتمعنا وكانتا تسهلان التعرف على سلوك الناس ومناطقهم الأصلية:
1. نظام المسؤول العرفي للقرية: وهو شخص تقليدي يحظى بثقة الناس لأسباب تتعلق بمراكمة الثقة، يعمل على التسوية المحلية وله دراية بسلوك السكان في التجمع (سواء كان حضريًا أو بدويًا) وفق سلطة أو وصاية أخلاقية يمنحها له التجمع، وهو اليوم موجود في أغلب التجمعات لكن من دون دور. وبالتالي يمكن أن يكون جزءًا من الإجراءات القانونية المتعلقة بالتصديق على الترشيح في مجال السيرة والسلوك؛ حيث تمنحه معرفته بالتجمع القدرة على إبداء الرأي في أبناء منطقته.
2. الكناش (السجل الاجتماعي للقرية): وُرث عن المستعمر، وهو وثيقة أساسية للإحصاء، مثبتة لدى الإدارة، وتُدار بالاشتراك مع مسؤول القرية، وتشمل المخطط الأسري لسكان القرية وسجل الازدياد. وبالتالي يمكن أن يساهم في حل إشكال تحديد البلدة وتسوية الأوراق الثبوتية، ويعالج مشكلة الوافدين والأوراق الثبوتية التي أصبحت أيضًا شرطًا في الترشح.
إن السيرة الذاتية ينبغي أن تضم التأهيل العلمي أو الخبرة، وأن تكون موقعة من جهات رسمية ومختومة من طرف جهة ضبطية، كما ينبغي أن تكون بطاقة التبريز (السجل العدلي) أكثر مصداقية ومهنية من تلك الشكلية التي تباع على قارعة الطريق، إضافة إلى شهادة حسن السيرة والسلوك. فالترشح عملية مهمة، وهي جزء من إدارة شأن المواطنين، ويجب عدم التساهل معها، وليست عملية يمكن الحصول عليها بين الدقيقة والأخرى؛ إنها إجراء شكلي من دون قيمة اليوم، فالشخص المولود في ولاية وذهب عنها منذ الصغر ما زال مجبرًا على الحصول على التبريز من تلك الولاية.
أما الترشح من داخل الأحزاب، فقد فرضت هذه الأحزاب على المجتمع أن يكون المنصب من حق الحزب، في حين أن الحزب، في الحقيقة، ليس هو صاحب الشعبية الأساسية في البلد؛ إذ إن الجزء الأهم من الشعبية يعود إلى المرشح نفسه.
وإذا صيغ الترشح من داخل الأحزاب، فينبغي أن يخضع لضوابط واضحة؛ إذ لا يجوز أن تكون الأحزاب مجرد مظلة لمرشحين طارئين على العمل الحزبي، كما لا يجوز بيع الترشيحات لأشخاص من خارج الحزب في حين يُحرم منها المناضلون الذين عملوا داخله.
ومن هنا يجب تحديد آلية الترشح من داخل الحزب، ومنع الترشح من خارجه بالنسبة للأشخاص الطارئين الذين لم يمض على انضمامهم للحزب سوى فترة قصيرة، كأن تكون أقل من سنة مثلًا، حتى يكون الانتماء الحزبي حقيقيًا وليس مجرد وسيلة للترشح.
رابعًا: قانون الحملات الانتخابية
خلال الإصلاحات السياسية سنة 2005، ومن أجل تضييق فجوة إنفاق المال السياسي وبطلب من الأحزاب، تم تحديد آلية دقيقة لسير الحملات الانتخابية، وطريقة وسقف تمويلها، كما تم تحديد سقف وآلية تمويل الأحزاب نفسها، وطريقة الرقابة على ذلك.
لكن هذا القانون ظل حبرًا على ورق منذ اليوم الأول؛ فالأحزاب القوية، مثل الحزب الحاكم ومن يشبهه، رفضت العمل بمقتضياتها، بينما حصلت الأحزاب الأخرى على صيغة مختلفة من التمويل جعلتها تستفيد، أما البقية القليلة فلم تستطع فرض تطبيق هذا القانون.
ولهذا فإن هذا القانون يظل قانونًا جوهريًا؛ لأنه يقلص الفجوة الكبيرة في التمويل بين الأحزاب والمترشحين، ويحد من فرص شراء الذمم، ويرفع من قيمة البرامج والخطاب والعمل السياسي المهني، ويدفع بالجادين إلى الواجهة.
ومن هنا يجب تحيينه والدفع به ضمن أولويات الحوار الوطني.


.gif)

.jpg)


.jpg)