
كان الوالد الأستاذ الراحل قيس ولد عابدين سيدي (رحمه الله) قامة ثقافية نادرة و شخصية وطنية مرجعية و وجها بارزا جمع بين التقدير الرسمي و الشعبي ينحدر من مدينة وادان التاريخية،
و يُعدُ أحد رواد و أعمدة جيل التأسيس أو الرعيل الأول ( الذين أرسوا دعائم الدولة ومؤسساتها بعصامية تامة، واشتهروا بنكران الذات، وتغليب المصلحة العامة علي الخاصة، والابتعاد التام عن استغلال النفوذ، و هو جيل يُضرب به المثل في التعفف و الترفع عن أكل المال العام و النزاهة و الوطنية الصادقة ،
عُرف المرحوم بكونه "موسوعة" حية، ومربياً للأجيال، ومناضلاً مخلصاً حمل لواء التعريب والدفاع عن الهوية الوطنية في مراحل مبكرة وحساسة من تاريخ البلاد ،
ترك بصمات خالدة في بناء الهوية الوطنية و مؤسسات الدولة .
كان في طليعة أول اكتتاب لمعلمي اللغة العربية بُعيد الاستقلال، و ضِمْنٓ أول دفعة من المعلمين أبْتُعِثٓت إلي تونس و تلقت تكوينا مكثفا دام سنتين،
كرّس حياته لترسيخ التعليم الأصلي واللغة العربية في وجه المد الفرنكفوني ،
تخرجت علي يديه أجيال متعاقبة من المعلمين و الإداريين ،
عُرِفٓ بالإنضباط و الإخلاص في أداء مهامه،
كما تميز بتفانيه في التدريس بمختلف مناطق الوطن من وادان إلي كهيدي ،
تاركا أثرا طيبا في نفوس كل من عرفوه .
تقلد عدة مسؤوليات و تدرج في مناصب إدارية وسياسية هامة حيث أدار التعليم الأساسي، و ترك سيرة حسنة و إرثا مستمرا و بصمة واضحة في تطوير الخطط التعليمية و متابعتها ميدانيا،
كوجيه اجتماعي مصلح و رجل دولة مؤثر على مستوى الوطن ،
أشتهر بسعة الإطلاع و عمق المعرفة و الذاكرة الإستثنائية التي وثقت تفاصيل جغرافية و تاريخية واسعة عن موريتانيا و إدارتها ،
كما عُرِفٓ أيضا بإبتسامته الدائمة و قدرته الفريدة علي توظيف الطرافة لكسر جمود الخطاب الإداري في الاجتماعات الرسمية للدولة ،
و بسرعة بديهته و نباهته و ذكائه الحاد في إستخدام النكتة لتلطيف الأجواء وإمتصاص الغضب في المواقف المتوترة .
وحِفْظِهِ الدقيق للأحداث والتاريخ، وقٌدرته العجيبة على استحضار المواقف بدقة.
كما أُشتُهِر بروحه المرحة، وطرافة حديثه، ولباقته و بشاشة الوجه في التعامل مع مختلف أطياف المجتمع ،
و كان شخصية جامعة، يمتلك أجندة علاقات واسعة وشبكة كبيرة من المعارف جعلته مرجعاً إنسانياً واجتماعياً لا يُعوض .
وصفه العديد من الكتاب و المسؤولين بالموسوعة الحاوية و الكنز البشري الذي يختزن تاريخ الأرض و الساكنة بمختلف تنوعاتهم .
شكل منزله العامر بمدينة وادان قبلة و وجهة لكل الزوار من ربوع الوطن و في كل المواسم و المناسبات الثقافية و السياسية ،
وقد لعب دورا هاما في صلة الرحم و إصلاح ذات البين و نشر قيم التآخي داخل المجتمع .
كما كان مجلسه (كأحد أعيان مدينة وادان) مدرسة في التواضع و الفكاهة و كسب المعرفة و العلم و حسن الاستقبال و الضيافة ، ومقصداً للكثيرين لما يملكه من رصيد معرفي و تاريخي كبير فضلا عن انفتاحه و تنوع علاقاته الإنسانية و الاجتماعية
و مرجعا لقص الحكايات الممزوجة بالحكمة والطرافة ،
حيث تُروى عنه العديد من الطرائف التي تعكس سرعة بديهته وحنكته، لعل من أبرزها مداخلته الشهيرة في أحد اجتماعات الأطر بحضور الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد للطايع في الولايات الداخلية، حيث وقف "قيس" ليستعرض إنجازات الخطة التربوية. وبدلاً من الاكتفاء بالعموميات، أخذ يسرد بدقة متناهية ما تم إنجازه في كل بلدة عدد الفصول، الكفالات المدرسية، المعلمون، الكتب، الدفاتر، وحتى عدد علب الطباشير. كان الحضور و الرئيس يتعجبون من هذه الذاكرة الخارقة التي لا تخطئ التفاصيل،
و علي نحو يُدخِل البهجة و التعجب في نفوس الحاضرين لشدة حرصه و عفويته ،
و يُوصل المعلومات الجادة و السياسات بصوته الوديع و الهادئ مما جعل طابعه العام يغلب عليه الملاطفة و اللين دون تكلف أو تصنع .
و هو ما جعل مداخلته تُضرب بها الأمثال في الطرافة و الحكمة .
من جهة أخري يحكي أن المرحوم قيس قد كُلِفٓ ذات مرة من طرف الرئيس معاوية،
بالتوجه إلي إحدي الولايات الداخلية في مهمة وساطة و إصلاح بٓيْنٍ .
لِمٓا يٓحْظٓي به من قبول و إحترام واسعين من مختلف الأطراف داخل الأوساط الشعبية.
للقيام بمهام وساطة سياسية و اجتماعية قبيل الموعد المحدد للإستحقاقات الإنتخابية أنذاك ،
بهدف إحتواء توترات قبلية و سياسية كانت قائمة و تقريب وجهات النظر لمنع تفاقم الخلافات التي قد تهدد السلم الاجتماعي أو تؤثر علي شفافية العملية الإنتخابية و نزاهتها في تلك الولاية ،
بدلا من النزول في ضيافة زعيم أو وجيه أو فخذ قبلي معين ،
قد يُخِلُ بمبدأ الحياد و يثير الحساسيات،
ضرب خيمته في الخلاء .
فتوافدت عليه وفود مختلف الأطراف للسلام و الإستماع ،
و تنافسوا في إكرامه بالولائم و الهدايا .
كان مِن ضِمنِ ما قُدِمٓ له في إطار إكرام الضيف و الإحسان إليه و أثار مواقف طريفة ، عِجْلٌ مِشْوِي أخصه به أحد اصدقائه إكبارا و إحسانا و إحتراما لقدره و مكانته .
لكن حينما أُحضِرت الوليمة و عٓلِمٓ المرحوم قيس أنه لحم عِجْل تراجع و امتنع عن أكله،
فسأله المضيف بالحسانية متعجبا و مستدلا بضيافة نبي الله ابراهيم عليه السلام لضيوفه ،
( أخْصٓارْتٓكْ فِيهٓ قٓيْسْ أٓنْتٓ أٓمٓالٓكْ أٓلًا تٓعْرٓفْ عٓنْ آبراهِيمْ عٓليهِ السًلامْ حٓاسٓنْ ضُيُوفُ بِعٓجٓلْ سٓمِين ) ،
أجابه المرحوم بحضور بديهة مذهل وبلهجة حسانية بليغة ،
(وٓ آنْتٓ آمالكْ أٓلًا تٓعْرٓفْ عٓنْهُمْ آمْشٓاوْ مٓا كٓالُوهْ ) ، (ملائكة )
بهذا الجواب أسكت المرحوم قيس مضيفه بأسلوب فكاهي طريف لا يخلو من حنكة ،
مبررا إمتناعه عن أكل لحم العجل بطريقة تلغي وجه المقارنة تماما .
يُذكر أن رحيله خلّف صدىً عميقاً في المشهد الثقافي والوطني، حيث نعته الهيئات الإعلامية والصحف الوطنية، مشيدةً بعطائه ومواقفه الوطنية ،
مستذكرةً تفانيه في بناء العقول، ونشر العلم و ترسيخ أسمى معاني القيم والوطنية في نفوس طلابه و داخل المجتمع على مدار مسيرته العظيمة.
في حين تستعد بلدية وادان لتنظيم النسخة الثالثة من مهرجان وادان للثقافة والتراث، وتٓحمِل هذه النسخة إسم "نسخة المرحوم قيس ولد عابدين سيد"، تكريماً وتخليداً لذكراه.
و تأتي هذه التظاهرة الثقافية ضمن مساعي البلدية للمحافظة على مكانة المجتمع الواداني التاريخية والثقافية، وتعزيز المشاركة المجتمعية عبر إشراك مختلف الفعاليات المحلية والجهات الرسمية في تنظيم الحدث.
بالتأكيد مبادرة بلدية وادان تُعٓدُ خطوة هامة في الإتجاه الصحيح تعكس رؤية مجتمعية واعية لرد الجميل والإعتراف بجهود الفاعلين ،
تذكر فتشكر و تفتح الباب لتعميم الفكرة و تكريم كافة القامات الثقافية و الوطنية الرائدة في مختلف مناطق الوطن،
رحم الله السلف و بارك في الخلف


.gif)

.jpg)


.jpg)