
قد يقول بعض الناس إنني أكتب اليوم لأن الأيام ضاقت، أو لأن قلة ذات اليد دفعتني إلى استحضار الذكريات. ولهم أن يظنوا ما شاءوا، فليس كل ما يُقال يوافق الحقيقة.
أما أنا، فما كنت يومًا أخشى الفقر، ولا رأيت الغنى فيما تملكه الأيدي، وإنما فيما تعمر به القلوب من رضا ويقين. غير أن في النفس حديثًا يعجز اللسان عن أدائه، وفي القلب شوقًا لا يجد سبيلًا إلى الراحة إلا إذا سال مدادًا على الورق. ولعلني لا أُحسن الكتابة كما ينبغي، لكنني أجد فيها سكينةً لا أجدها في غيرها، وأشعر أنني كلما كتبت شيئًا مما يختلج في صدري، خفّ عن القلب بعض ما يحمله من حنين.
ومن ذلك الحنين الذي لا يخبو، حنيني إلى جدي، الشيخ محمد المختار ولد دهاه.
ليس من السهل أن تكتب عن رجل كانت حياته رسالة قبل أن تكون سيرة، وأن تصف من كانت أفعاله أبلغ من كلماته، وصمته أفصح من كثير من الخطب.
كلما مرّ اسمه على لساني، مرّت معه صور الرضا، والتواضع، والسخاء، وحسن التوكل على الله. كان ممن خفّت في أعينهم الدنيا، فعظمت في قلوبهم الآخرة؛ لا يفرح بما أقبل من متاع زائل، ولا يجزع مما أدبر منه، لأن قلبه كان معلقًا بمن لا تنفد خزائنه. عاش كما يعيش العارفون بالله؛ يعطي إذا وجد، ويرضى إذا فقد، ويستقبل الناس بقلبه قبل بابه.
كان يعلّمنا أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، وإنما بما يتركه في قلوب الناس من أثر، وما يزرعه في أرواحهم من نور. ولم يكن يعلّم بالكلام وحده، بل كان سلوكه درسًا قائمًا، وكانت حياته تفسيرًا عمليًا لمعنى الرضا بالله والزهد فيما عند الناس.
وكلما وقعت عيني على هذه الأبيات، شعرت أنها تصف مقام الشيخ المربي الذي تأوي إليه القلوب، لا طلبًا لدنيا، وإنما شوقًا إلى الله، ورغبةً في الاقتداء بالصالحين:
ألا أيها الشيخُ المناخُ ببابِه
لقد عضَّنا الدهرُ الخؤونُ بنابِه
أنخْنا ببابِ الشيخِ نطلبُ مأمنًا
وكم نالَ أمنًا من أناخَ ببابِه
أنخْنا نريدُ القربَ قربَ إلهِنا
ونطلبُ فضلًا من لذيذِ اقترابِه
ومن يَكُ منّا ذا جرابٍ وقد خوى
يُرجِّي من المولى امتلاءَ جِرابِه
ومن يُخطِ نهجَ الحقِّ يُحظَ بتوبةٍ
ولم يُخطِ نهجَ الحقِّ بعد متابِه
لئن كان بعضُ القومِ يحمي جنابَه
فشيخُ الهدى يحمي جنابَ جنابِه.
رحمك الله يا جدي… ما زلت أشعر أن حضورك في الوجدان أقوى من غيابك عن الأبصار، وأن ما تركته في القلوب من محبة، وفي النفوس من سكينة، وفي الأرواح من يقين، هو الإرث الحقيقي الذي لا تقدر عليه السنون. وما دمت أكتب عنك، فلست أرثيك، وإنما أستدفئ بذكراك، وأجدد العهد بقيمٍ غرستها فينا، وأرجو أن أكون من الذين يحفظون الجميل، ويصونون الأثر، ويورثون أبناءهم ما ورثوه عنك من صدق، ورضا، ومحبة لله ولعباده


.gif)

.jpg)


.jpg)