
لا تبدأ مهمة مصححي الباكالوريا عند فتح أظرفة أوراق الإجابة، وإنما تبدأ قبل ذلك بساعات؛ منذ اللحظة التي يغادرون فيها بيوتهم على عجل، مستجيبين لنداء الواجب، متحملين عناء الطريق، ومشقة الانتظار، وهم يدركون أن على عاتقهم أمانة لا تحتمل التهاون، لأنها تتعلق بمستقبل آلاف التلاميذ.
وقد تقرر هذا العام نقل مراكز التصحيح إلى جامعة نواكشوط العصرية، وتكفلت الوزارة بتوفير وسائل النقل عبر حافلات النقل العمومي. غير أن نقطة التجمع الواقعة قرب "لكبيد" تحولت، في الساعات الأولى من الصباح، إلى مشهد تختلط فيه ملامح الصبر بالتعب؛ عشرات المصححين ينتظرون وصول الحافلات، وقد سبقوا الشمس إلى المكان، لا يملكون سوى التحلي بالأناة، بعد أن أصبحت السيارات الخاصة خيارا مرهقا بسبب بعد المسافة وغلاء الوقود.
وليس المقصود من تصوير هذا المشهد التقليل من قيمة الجهد التنظيمي المبذول، بل لفت الانتباه إلى أن نجاح أي إصلاح تعليمي لا يكتمل إلا بالعناية بمن ينفذونه على أرض الواقع. فالمدرس، حين يكلف بالتصحيح، لا يؤدي عملا إداريا عابرا، بل يباشر مسؤولية أخلاقية ووطنية تتطلب صفاء الذهن، ودقة التقدير، وعدالة الحكم.
ومن هنا، فإن توفير ظروف نقل أكثر مرونة، وتقليص ساعات الانتظار، ليسا من قبيل الرفاهية، وإنما هما استثمار في جودة التصحيح، وضمان لراحة من يحملون على عواتقهم مسؤولية إنصاف المترشحين، ومنح كل ذي حق حقه.
تحية صادقة لكل مصحح ومصححة، آثروا أداء الواجب على راحة الجسد، واختاروا أن يكونوا جنودا مجهولين في معركة العلم. نسأل الله أن يبارك في جهودهم، وأن يجزيهم خير الجزاء، وأن يجعل ما يقدمونه في موازين حسناتهم.
محمد محمود العيل
#ميادين


.gif)

.jpg)


.jpg)