مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

جنرال متقاعد يكتب: "دروس فشل كان متوقع"

كتب الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف: "بعد أربعٍ وعشرين ساعة من اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية بتشكيلات المعارضة، باتت ردود فعل مختلف المشاركين تسمح باستخلاص جملة من الدروس الأساسية. فبدلاً من أن يفتح هذا الاجتماع الطويل آفاقاً للإصلاح، يبدو أنه أكد المخاوف التي أحاطت بالمسار منذ الإعلان عنه، وكشف عمق المأزق السياسي الذي يطبع الوضع الوطني اليوم.

ويتعلق الدرس الأول بالمسألة الدستورية. فالمعطيات التي تسربت من النقاشات تعزز الانطباع بأن إحدى الهواجس الرئيسية للسلطة ما تزال تتمثل في البحث عن آليات تسمح بالالتفاف على بعض المقتضيات الدستورية التي كان يُنظر إليها حتى الآن باعتبارها خطوطاً حمراء أو ضمانات غير قابلة للمساس. ويزداد هذا الانطباع رسوخاً في ظل غياب أي مبادرة واضحة تهدف إلى تبديد هذه الشكوك بصورة نهائية. كما أن الإصرار على عدم رفع هذا اللبس السياسي لا يؤدي إلا إلى تغذية الريبة وإضعاف مصداقية العملية برمتها.

أما الدرس الثاني، وربما الأهم على الإطلاق، فيتعلق بالدعوة إلى التهدئة التي وُجِّهت إلى المعارضة، وبالحرص الظاهر لدى السلطة على تفادي أي تصعيد سياسي. فمن الممكن تفسير هذا السلوك على أنه مؤشر على هشاشة أعمق مما يبدو للوهلة الأولى؛ إذ إن هذا القدر من القلق إزاء احتمال تحرك المعارضة أو تعبئتها لأنصارها يعكس في كثير من الأحيان وعياً داخلياً بمواطن الضعف الذاتية.

وهذه الهشاشة متعددة الأبعاد. فهي سياسية عندما تكون شرعية السلطة موضع تشكيك أو عندما تعجز عن بناء توافق وطني واسع. وهي مؤسساتية عندما تتعطل آليات الوساطة والتسوية عن أداء وظائفها الطبيعية. وهي أيضاً اجتماعية وأمنية، لأن القائمين على الحكم يدركون أن التوترات المتراكمة داخل المجتمع قد تتحول سريعاً إلى عوامل لعدم الاستقرار.

وفي هذا السياق، يتعين على المعارضة أن تستخلص جميع النتائج الاستراتيجية التي تفرضها هذه المعطيات الجديدة. فعلى مدى سنوات طويلة، توجه جزء مهم من العمل السياسي نحو المشاركة في حوارات لم تفضِ نتائجها العملية إلا إلى القليل. فكل دورة من دورات التشاور كانت تُنتج بيانات نوايا، ووعوداً بالإصلاح، والتزامات عامة، من دون أن تؤدي إلى تغيير حقيقي في آليات الحكم العميقة.

ويبدو أن الساعات التسع من النقاش التي جرت مؤخراً قد أكدت هذا المنحى من جديد. فالقضايا التي تشغل الموريتانيين فعلاً لم تحظَ بالمكانة المركزية التي تستحقها. إذ لم تُعالج بالعمق المطلوب المسائل الأساسية المرتبطة بجودة الحوكمة، والفصل الفعلي بين السلطات، واستقلال القضاء، وشفافية الانتخابات، وتكافؤ الفرص بين المواطنين، ومكافحة الفساد، وترشيد الإنفاق العمومي، وإدارة الموارد الطبيعية.

ويقود هذا الواقع إلى خلاصة سياسية بالغة الأهمية: فالتحدي الرئيسي الذي يواجه المعارضة لم يعد يتمثل في إقناع السلطة بوجود المشكلات، بل في بناء ميزان قوى ذي وزن كافٍ لإجبارها على التعامل معها. ففي كل مسار ديمقراطي، لا تنشأ الإصلاحات الجوهرية من حسن نية الحكام وحده، بل تكون في الغالب ثمرة ضغط سياسي واجتماعي ومؤسساتي متواصل.

ولا يعني ذلك بالضرورة تبني منطق المواجهة الدائمة. بل يعني، بالأحرى، أن على المعارضة أن تنقل مركز ثقل عملها السياسي إلى مستوى آخر. فبدلاً من انتظار مبادرات السلطة، ينبغي لها أن تفرض أولوياتها الخاصة على الأجندة الوطنية، وأن تعبئ الرأي العام حول القضايا الجوهرية، وأن توثق أوجه الخلل في منظومة الحكم، وأن تبني تحالفات اجتماعية قادرة على جعل الكلفة السياسية للجمود أعلى فأعلى.

وتُظهر التجربة السياسية الموريتانية خلال العقود الماضية أن أهم المكاسب الديمقراطية لم تتحقق في الغالب نتيجة تنازلات طوعية من السلطة، بل جاءت ثمرة ضغط جماعي، وتعبئة منظمة، وميزان قوى بلغ من القوة ما جعل التغيير أمراً لا مفر منه.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الحوار لا يزال قادراً على إنتاج نتائج ملموسة، بل كيف يمكن تحويل الفشل الظاهر لهذا الحوار إلى نقطة انطلاق لمرحلة سياسية جديدة تتمحور حول الانشغالات الحقيقية للمواطنين. فاستقرار الدول على المدى البعيد لا يقوم على تمديد الولايات أو إعادة صياغة قواعد اللعبة بما يخدم الحاكمين، وإنما يقوم على مؤسسات ذات مصداقية، وحوكمة مسؤولة، وقضاء مستقل، وتداول سياسي على السلطة يُنظر إليه بوصفه مبدأً ثابتاً في الدمقراطية .

 

خميس, 11/06/2026 - 06:09