مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

"من العدالة إلى التمثيل: تأملات في التحولات الراهنة لخطاب “لحراطين” في موريتانيا/ بقلم: سيدي محمد التهامى

ليست كل القضايا التي تثير الجدل في الفضاء العام قابلة للمعالجة بالصوت المرتفع أو بالشعارات العابرة؛ فبعض القضايا أشد تعقيداً من أن تختزل في ثنائية الخصومة والانتصار، لأنها متصلة بالتاريخ والذاكرة والبنية العميقة للمجتمع. ومن هذا القبيل، بلا شك، قضية “لحراطين” في موريتانيا، بما تحمله من تداخل اجتماعي وسياسي، ومن مظالم تاريخية وأسئلة الدولة الحديثة.

ولأن الصراحة الفكرية شرط من شروط الإنصاف، فأود أن أقول منذ البداية إنني لا أكتب هنا من خارج هذا النسيج الاجتماعي، ولا من موقع الخصومة معه؛ فجدتي من جهة الأب حراطانية، وكذلك جدتي من جهة الأم، وأخوال أمي حراطانيون، وأبناء أخوالها كذلك، وقد تشكل جزء معتبر من وعيي الإنساني والاجتماعي داخل هذا الفضاء المشترك. ولهذا فإن ما أكتبه لا يدخل في باب المزايدة على أحد، ولا في محاولة إنكار ما عرفه المجتمع من اختلالات ومظالم، وإنما هو محاولة لفهم التحولات التي عرفها خطاب القضية نفسها.

أما الخطاب الذي بدأ يتشكل مع بداية الألفية الثانية، فقد عرف تحولات لافتة، حيث أخذت فاعلية القضية لدى بعض الفاعلين منحى أكثر التصاقاً بالاصطفاف الهوياتي والصراع الرمزي على التمثيل. ومن هنا بدأ النقاش يتحول تدريجياً من سؤال: كيف نعالج آثار التهميش؟ إلى سؤال آخر مختلف: من يملك شرعية الحديث باسم هذه الفئة؟

وهنا تبرز إشكالية جوهرية: هل ما زالت “المواطنة الكاملة” فعلاً هي القضية المركزية اليوم؟

إن المواطنة، في معناها الحديث، لا تعني توزيع الدولة بين الجماعات، ولا تحويل الانتماءات الاجتماعية إلى حصص سياسية، وإنما تعني المساواة أمام القانون، وضمان الحقوق المدنية والسياسية، وتكافؤ الفرص، وحياد الدولة تجاه مكونات المجتمع كافة.

وحين تتحول المواطنة إلى مجرد عنوان للمحاصصة، فإننا نكون قد غادرنا منطق الدولة الحديثة إلى منطق التوازنات الفئوية، وهو منطق أثبتت تجارب كثيرة أنه لا يؤدي في النهاية إلا إلى ترسيخ الانقسام وإضعاف فكرة الوطن الجامع.

كما أن أي معالجة جادة للقضية تقتضي تقييم الواقع الراهن بقدر من الموضوعية: ما الذي تحقق قانونياً؟ وما الذي تعثر؟ وأين تكمن اختلالات التنفيذ؟ وما حدود فعالية السياسات الاجتماعية القائمة؟

لقد وضعت الدولة الموريتانية خلال العقود الأخيرة منظومة قانونية لتجريم مخلفات الرق، وأطلقت برامج اجتماعية تستهدف الفئات الهشة، وقد تكون هذه البرامج محدودة أو متفاوتة الفعالية، لكن نقدها ينبغي أن يتم انطلاقاً من تقييم واقعي وموضوعي، لا من خلال الخطاب التعبوي وحده.

ومن الخطأ كذلك تحميل مكون اجتماعي كامل مسؤولية أخطاء الدولة أو اختلالاتها التاريخية، لأن الدولة في النهاية كيان سياسي وقانوني وليست التعبير الحصري عن جماعة اجتماعية بعينها.

إن المجتمعات التي تنجح في تجاوز أزماتها ليست تلك التي تنكر مظالمها، بل تلك التي تعترف بها دون أن تجعل منها أساساً دائماً لإعادة إنتاج الانقسام. فالعدالة الحقيقية لا تعني توزيع الأحقاد، وإنما تعني بناء دولة يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، ويشعر الجميع داخلها بأنهم شركاء في المصير لا خصوم في الوجود.

أما الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها، فهي أن موريتانيا، بكل مكوناتها، أكبر من أن تختزل في صراع هويات، وأعمق من أن يعاد تعريفها بمنطق الانقسام الدائم. فالأوطان لا تبنى بالغلبة المتبادلة، وإنما تبنى حين تنتصر فيها فكرة المواطنة على العصبيات، وفكرة الدولة على منطق الجماعات، وفكرة المستقبل على أثقال الذاكرة الجريحة.

سبت, 06/06/2026 - 01:45