مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

الدكتور إدريس ولد حرمه ولد بابانا يكتب: "ملاحظات حول تنقيط معيار النزاهة في مسار الانتقاء لعضوية مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد"

يقول الله عزّ وجلّ في سورة النجم: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. ولولا الآية الكريمة التالية في سورة يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ما حدّثتكم حديثا

بعد أكثر من ثلاثة عقود من الانشغال المهني والفكري بقضايا ترتبط بحماية المال العام وتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، لم يكن الترشح لعضوية مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد خياراً حاضراً لدي في البداية. غير أن تشجيع عدد من الزملاء وإلحاحهم على ضرورة وضع هذه التجربة في خدمة المؤسسة الجديدة دفعاني إلى تقديم ملف الترشح، وذلك بسويعات قبل انقضاء الأجل المحدد لاستقبال الملفات.
أسفرت المرحلة الأولى من الانتقاء عن حصولي على 56.5 نقطة من أصل 70، في حين أوضحت لجنة الانتقاء لاحقاً أن أعلى علامة تم الحصول عليها في هذه المرحلة كانت 57.5 نقطة، وهو ما يعكس تقارب مستويات المترشحين المؤهلين للمقابلة.
بعد ذلك لم أُوفّق في تجاوز مرحلة المقابلة التي تم في نهايتها اختيار 12 عضواً من بين 30 مترشحاً مؤهلاً. ورغم خيبة الأمل، تقبّلت هذه النتيجة بروح إيجابية، ولم أشكك في موضوعية اللجنة أو نزاهة عملها، لأن طبيعة المسابقات والانتقاء تجعل من الصعب على المترشح تقييم موقعه الحقيقي في غياب معرفة أجوبة منافسيه ومستويات أدائهم.
وقد كان هذا هو التفسير الذي كنت أقدمه دائما للإخوة والأحبة والأصدقاء والمهتمين الذين أبدوا تفاجأهم من عدم اختياري، مؤكداً لهم أن احترام نتائج المسابقات يقتضي التسليم بإمكانية وجود مترشحين آخرين قدموا أداءً أفضل أو كانت ملفاتهم أكثر إقناعاً.
غير أن التوضيحات اللاحقة التي نشرها أحد أعضاء لجنة الانتقاء يوم 27 أبريل 2026 بشأن منهجية التنقيط مكنتني من فهم الكيفية التي تم بها توزيع نقاط معيار النزاهة، وذلك وفق العناصر التالية:
- 6 نقاط لصحيفة السوابق العدلية؛
- نقطة واحدة لمن أُلزم بالقسم في وظيفته؛
- نقطة واحدة لمن يمتلك إفادة حسن تسيير أو براءة ذات مصداقية؛
- نقطتان لمن حصل على توشيح أو جائزة وطنية أو دولية؛
- 5 نقاط لمن لديه مساهمة مثبتة في مكافحة الفساد.
وبذلك يبلغ مجموع نقاط معيار النزاهة 15 نقطة.
عندئذ، استغربت من حصولي على 8 نقاط فقط من أصل 15 في هذا المعيار، رغم أن ملفي يتضمن صحيفة سوابق عدلية، وأزاول وظيفة قضائية تستوجب أداء اليمين، وأتوفر على إفادات تزكية حسن تسيير من منظمات دولية، كما سبق أن تم توشيحي سنة 2010 بميدالية فارس في نظام الاستحقاق الوطني.
إضافة إلى ذلك، فإن لي مساهمات موثقة في مجال مكافحة الفساد، من بينها العضوية في اللجنة الفنية للإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي أفضت إلى إعداد القوانين الثلاثة المتعلقة بمكافحة الفساد والتصريح بالممتلكات والمصالح وإنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، وتمثيل معالي رئيس محكمة الحسابات في اللجنة الوطنية للإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي يرأسها معالي الوزير الأول، وتكوين وتحسين خبرة وكلاء عموميين في مجال حماية الأموال العمومية فضلاً عن محاضرات وأعمال فكرية ومقالات منشورة في مكافحة الفساد، آخرها مقال بعنوان: “لماذا يجب إلزام نواب الجمعية الوطنية بالتصريح بممتلكاتهم”، وهو المقال الذي تبنته عشرون منظمة غير حكومية، وأسهم عملياً في إدخال تعديل جوهري على مشروع قانون التصريح بالممتلكات والمصالح، انتهى بإلزام البرلمانيين بالتصريح واعتماد القانون بصيغته النهائية.
أدرك تماماً حجم المسؤولية الملقاة على عاتق أعضاء لجان الانتقاء وما يواجهونه من تحديات في ضمان الحياد والإنصاف بين المترشحين، بحكم مشاركتي الشخصية في تنظيم والإشراف على عدد من المسابقات العمومية. وقد ترسخ لدي، من خلال تلك التجارب، أن الحرص على النزاهة لا يقتصر على التحلي بها فحسب، بل يشمل أيضاً اتخاذ كل ما من شأنه إبعاد الشبهات وتعزيز الثقة في النتائج. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز الشفافية في مثل هذه المسارات يقتضي أن تكون مختلف عناصر التقييم ومعايير احتسابها واضحة ومتاحة لجميع المترشحين على قدم المساواة، بما يرسخ الثقة في الإجراءات المتبعة، ويحمي القائمين عليها من أي تأويل غير مقصود، وييسر فهم النتائج وأسسها الموضوعية.
ولا يفوتني، وأنا أقفل هذا الملف نهائيا، أن أتقدم بأصدق التهاني لأعضاء مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد الذين وقع عليهم الاختيار، متمنّيا لهم كامل التوفيق والنجاح في أداء مهامهم الجسيمة خدمةً للصالح العام وتعزيزاً لقيم النزاهة والشفافية في وطننا العزيز.

أحد, 31/05/2026 - 21:02