
بالتأكيد لو أدرك أو توقع أمير الشعراء احمد شوقي
أن زمنا سيأتي من بعده لا يقوم أحد فيه للمعلم قدرا و لا يحظي فيه بشئ من التبجيل بل يتعرض من خلاله و بشكل وقح للإساءة و الإهانة لما أنشد بيته المشهور :
قم للمعلم و فيه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا .
واقع يعيشه المعلم هذه الأيام علي مضض و يتجرع مرارته ،
بعدما أقدم بعض الفنانين إلي استهداف المعلم و تشويه صورته من خلال أعمال ادرامية انتشرت علي نطاق واسع عبر وسائل التواصل الإجتماعي قصد الإثارة ،
فيما بات يعرف بصناعة التفاهة أو المحتوي الرقمي الساقط ،
يأتي هذا في زمن تراجعت فيه القيم المجتمعية و تغيرت من خلاله المفاهيم بحيث تتم مكافأة الرداءة و الوضاعة و التفاهة علي حساب الجدية و المثابرة و الجودة في العمل ،
حيث قاموا بتجسيد شخصية المعلم في قالب كوميدي هزلي و إبرازه كنموذج سلبي بدعوي محاكاة واقع الفساد في المنظومة التعليمية و تسليط الضوء علي الخلل ،
و هو ما أثار موجة انتقادات واسعة و حالة من الإستياء و الغضب لدي الأسرة التربوية و داخل الأوساط الإجتماعية إزاء تقديم شخصية المعلم بصورة سلبية و هزلية تفتقر للواقعية و تتجاهل الدور العظيم الذي يؤديه المعلمون في بناء العقول ،
مما ينعكس سلبا علي إحترام الطلاب و المجتمع لهم .
إن إستخدام شخصية المعلم كرمز للفساد في الأعمال الفنية يعد بالفعل تعميما ظالما يبتعد عن الموضوعية ،
المعلم هو حجر الأساس في بناء المجتمعات ،
و اختزاله في صورة فاسد يلحق ضررا معنويا بالغا بالصورة الذهنية لهذه المهنة النبيلة و يسيئ لآلاف الشرفاء الذين يؤدون رسالتهم بأمانة و إخلاص .
و يمكن توضيح الموقف المهني و الأخلاقي من العمل في النقاط التالية : -
- ضوابط النقد البناء : يهدف النقد في الأساس إلي إصلاح الخلل و معالجة القصور ،
بينما يؤدي التشهير المباشر إلي الإساءة للكرامة الإنسانية و المهنية.
- خطورة التعميم : تقديم المعلم الفاسد كنموذج عام يعزز النظرة الدونية للمهنة و يزعزع ثقة المجتمع و الطلاب في المنظومة التعليمية بأكملها .
بدلا من إبراز المشكلة بحيث يسهم هذا التقييم في خلق حالة من الإحباط لدي طواقم التعليم المتميزة. .
- المعالجة الموضوعية (الإستثناء لا القاعدة). :
الدراما الهادفة قادرة علي معالجة الظواهر السلبية دون الإساءة للقطاع بأكمله ،
يمكن للعمل الفني ان يطرح شخصية المعلم الفاسد أو المرتشي علي أنه حالة فردية شاذة تمثل نفسها فقط ، مع إبراز الجانب الآخر المضيئ ( المعلم القدوة ) ليحدث التوازن المطلوب في العمل الفني .
- تسليط الضوء علي بيئة العمل بدل الشخص : بدلا من التشهير بالمعلم أو المدرس كفرد ،
يمكن للعمل الفني الناجح تسليط الضوء علي الظروف المحيطة بالمنظومة التعليمية و مناقشة التحديات مثل : ضعف الرواتب أو غياب الرقابة أو تراجع المخصصات أو النواقص الحاصلة في المعدات و المستلزمات المنوطة بإصلاح التعليم .... الخ .
هذا النقد البناء يوجه أصابع الإتهام نحو الخلل الإداري أو الهيكلي بدلا من وصم المعلم نفسه .
حيث يفضل دائما لفت الإنتباه إلي الفساد المؤسسي و الإداري الحاصل في الميزانيات و تسيير القطاعات الحيوية و كبريات الشركات الوطنية و إدارة المشاريع حيث ينتشر الفساد بشكل كبير و كبير جدا في مفاصل الدولة ،
يتجلي هذا الورم الصامت في مختلف قطاعات الدولة و في مشاريع وطنية ضخمة تخصص لها ميزانيات فلكية ، لكنها تتحول بقدرة قادر إلي هياكل مهجورة أو صفقات مشبوهة تعيق بناء و تنمية البلاد و تثري قلة قليلة و تفقد المواطن ثقته في مؤسساته الحيوية .
و ذلك من خلال تجسيد الظاهرة في إطار ادرامي عام يكشف بؤر الفساد و مكمن الخلل و يظهر تأثيراته علي حياة المواطن البسيط اليومية دون اللجوء إلي التشهير العلني .
- ابراز القدوة الحسنة : يمكن للعمل الفني ان يحقق نجاحا أكبر خلال إبراز المعلم النزيه الذي يكافح من أجل إصلاح المنظومة ،
مما يخلق تأثيرا ايجابيا ملهما .
- المسؤولية القانونة : يصنف التشهير قانونيا كجريمة يعاقب عليها القانون في معظم الأنظمة، حيث يحق للمعلم المتضرر المطالبة بحقوقه القانونية في حال تعرضه للإساءة أو التشويه المتعمد .
تأسيسا لما سبق يمثل الفن مرآة للجميع و نجاحه يقاس بمدي قدرته علي طرح الإشكالات بطريقة واقعية عادلة و هادفة ،دون المساس بكرامة شريحة أساسية تعد حجر الأساس في بناء أي أمة.
حفظ الله البلاد و العباد




.gif)

.jpg)


.jpg)