
المشكلة الكبرى في موريتانيا أنّ مجتمعها مطبوع بخلفية بدوية يغلب عليها الخرافة والأساطير. يعتقد غالبية السكان أنّ ما يرونه من سلوك يضع المراتب والمستويات للسكان هو أمر قدري لا تأثير لنا فيه، ولا دور لنا في تغييره. عندهم هذا وضع طبيعي ورثناه عن سلف صالح، وتجب المحافظة عليه ليبقى البلد مستقيماً محافظاً على القيم والمبادئ الصحيحة.
إنّ العاقل والمتوسط العقل والأحمق في هذا المجتمع متفقون على أنّ الأخيار ورثوا الخيرة، والأشرار ورثوا الشر من أسلافهم. وأنّ الله وضع للجميع أقداراً وأدواراً، وحدّد للجميع حدوداً ومصائر يجب الوقوف عندها والاعتراف بها.
فمن كان من "الزوايا" واشتغل بالعلوم الدينية والعبادة والأذكار ودراسة الشرع، يُعتبر من الخيّرين الشرفاء النبلاء. ومن كان من "حسان"، وحمل السلاح وامتهن الأعمال الحربية مثل الآخرين، يُعتبر أيضاً من الخيّرين الشرفاء النبلاء. أما من امتهن تربية المواشي وممارسة الزراعة فيُعدّ من العوام البسطاء التابعين.
وأهل النجارة والمشتغلون بالحديد، المعروفون بالمعلّمين، هم والمغنون وأهل الرقص، المعروفون بـ"إيگاون" و"أجبابه"، جميعهم تابعون هامشيّون لا يرقون إلى مستوى الأولين، الزوايا وحسّان.
وأما من كانت له أمهات أو آباء في الرق، فهم أرقاء لا تفارقهم تلك "الطبيعة"، هامشيّون وتابعون. فجميع الناس منقسمون على ما كانت تعيشه أسلافهم: شرفاؤهم ونبلاؤهم ورثوا الشرف والنبل، والمهمشون ورثوا التهميش. كل ذلك موروث، والمجتمع مستمر على ما وجد عليه آباؤه، والعقول أمام هذا الواقع مجمدة، لا دور لها ولا تأثير.
لا تجد عالماً ولا أديباً ولا كاتباً ولا شاعراً يتصدى لهذه الخزعبلات والترهات. الكل مطمئن متمتع بالاستفادة من انحداره من طبقة النبلاء، ولا يهم ما يعيشه الآخرون. فـ"الحراطين" وأمثالهم من المقصيّين المهمشين يقبعون في القاع. وإذا تحركوا أو تذمروا أو اشتكوا، فهم عنصريون *شرائحيّون* يسعون في الأرض فساداً، وتجب معاقبتهم وسجنهم وتشويههم، وشراء ذمة من يبيع ذمته بملء فمه ذهباً ولهباً.
وإنّ وجود مجتمعنا الزنجي، بتقاليده التي تختلف قليلاً عما لدى مجتمع البيظان عرباً أو متعربين، لم يفد ولم يخفف من تراتبية مجتمع البيظان. ولم يكن لاختلافه دور يُذكر في تخفيف غلواء التراتبية الحمقاء التي تطبع غالبية المجتمع.
فسكوت المجتمع كله على السلوك الذي انطبع وترسخ في أذهانه نتيجة العقلية المتخلفة التي تفرض عليهم واقعاً لا يمكن استمراره، لما فيه من كذب وظلم وإجحاف، يقع ضحيته غالبية الشعب، وخصوصاً أولئك الذين طال ظلمهم أبناء سلف المعبدين.
إنّ الحديث الذي يدور بين وقت وآخر عن الحرية والمساواة في المجتمع الموريتاني، إذا كان يُقصد به التقديم والتأخير في مستويات هؤلاء السكان الذين يتشكل منهم المجتمع، فإنه ليس سوى عبث في عبث.
لأنّ الغالبية من المغفّلين تشربوا حتى الثمالة بالعقلية التراتبية المتخلفة التي تنظر إلى الناس بعيون لا تبصر، وتقوّمهم بعقول لا تعقل. ولا تستطيع تغيير طبيعتها قبل أن يحدث انقلاب هائل في بنية المجتمع ونوع نظامه، ويتسرب الوعي إلى عقول السلطة والطبقة المثقفة.
فقبل تغيير العقليات التي لا يبدو أنها تتأثر بالزمن، لا أهمية للأحاديث الجارية ولا تأثير لها. ما دام الجميع يتصرفون قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم بقبول ورضا للتراتبية السائدة، فإنهم سيظلون يعتبرون أكثر السكان دون المستوى الذي يؤهلهم للمشاركة في الشأن العام. ويعتبرون كل ما كان أفضل مما يمكن أن يكون، ويعدّون المفسدين قدراً يجب الرضا به والقبول به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. التراد ولد سيدي


.gif)

.jpg)


.jpg)