
لا يشغل الشارع الموريتاني حاليا سوي الحديث عن ملامح تشكيل حكومة مرتقبة بعد تنصيب فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني لعهدة ثانية عمرها خمس سنوات قادمة .
حيث تشكل مرحلة ما قبل تنصيب رئيس الجمهورية فرصة و مناسبة يكثر فيها الحديث و نشر القراءات المحتملة و التكهنات و التخمينات الخاطئة لتشكيلات الحكومة المرتقبة .
إضافة إلي تلميع بعض الأسماء و التلويح بها والترويج لشخصيات وطنية من مواقع مختلفة قصد التوزير و الخروج في بعض الحالات بتسريبات غير متجانسة لحكومة جاهزة بالإسم و الوظيفة .
تدخل ضمن الشائعات الموسمية التي تأثرت هذه المرة إلي حد كبير بسبب تعطيل خدمة الإنترنيت الخلوي .
لاشك أن معظم الموريتانيين يتطلع اليوم أكثر من أي وقت مضي إلي تشكيل حكومة جديدة بمواصفات و معايير خاصة تلامس هموم المواطن و مغايرة لكل تشكيلات حكومات الأنظمة و العهود السابقة .
ما هو مطلوب بدرجة أولي هو تشكيل حكومة كفاءة وطنية تراعي شعار المرحلة
(مأمورية الشباب و محاربة الفساد )
حكومة جديدة خالية من رموز الفساد تضم الخبرات و الكفاءات اللازمة لإدارة المرحلة المقبلة في ظل الآفاق الواعدة و الطفرة النوعية في المخزون و الإحتياط من الغاز و النفط و الهيدروجين الأخضر سيسهم بشكل جذري في تحويل الإقتصاد الوطني و تحديد نوعيته و هيكلته .
و تحقيق النمو المطلوب و التطور المرجو في الأداء الحكومي و مواجهة التحديات التي تعترض سبيلها .
بفريق يجمع بين الخبرة و دم الشباب المتابع و المطلع و القادر علي مواجهة كل التداعيات و التحديات و وضع الحلول الناجحة في الوقت المناسب .
تتوفر لديه الصلاحيات و المرونة اللازمة من أجل درء الضرر و التقليل من الخسائر
إن لم يكن العمل علي جلب المنافع و تحقيق الأرباح .
فريق حكومي لم يسبق لأي من أعضائه العمل مع أي حكومة سابقة له القابلية التامة علي إحداث التغيير المنشود و خدمة و إسعاد الشعب الموريتاني .
حكومة تكون أكثر فعالية و قدرة علي العمل و مواجهة مختلف التحديات و الواقع المعقد وبالتالي تلبية تطلعات المواطن .
يأتي علي رأس أولوياتها تمكين الشباب من الولوج إلي العمل و محاربة الفساد في كل تجلياته و الحفاظ علي محددات الأمن الوطني في ضوء ما حصل من تغيرات و تحولات جذرية داخل منطقة الساحل الإفريقي و ما يشهده أيضا المحيط الإقليمي من إضطرابات سياسية و تحديات أمنية خطيرة خاصة في اتجاه الحدود مع الجارة الشرقية مالي .
حكومة تؤسس لمرحلة جديدة و لعدالة إجتماعية الكل يجد نفسه فيها تعمل علي إرساء دولة القانون و المؤسسات و تطوير و إصلاح المنظومة القضائية و العدلية من أجل ترسيخ قضاء مهني عادل معزز لدولة القانون و مصدر طمأنينة للجميع .
تجسيدا لما قاله فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني في خضم إشرافه علي إفتتاح أشغال المنتديات العامة حول العدالة بقصرالمؤتمرات أنذاك حيث قال : ( أن ليس ثمة ما هو أكثر تأثيرا و محورية في حياة الفرد و المجتمع من عمل القضاء بوصفه أساس الوحدة الوطنية و اللحمة الإجتماعية.
ففي شأن العدالة سأل رئيس الوزراء البريطاني الراحل و تستون أتشرشل أحد مستشاريه عن حال القضاء في بلاده إبان الحرب العالمية الثانية بعد أن دمرت البني التحتية و وصل الإقتصاد البريطاني إلي الحضيض فأجابوه بخير
فقال مقولته الشهيرة ( طالما العدالة والقضاء بخير فكل البلاد بخير ) كما ذهب إبن خلدون إلي القول ( إن العدل أساس العمران و الظلم مؤذن بالخراب .)
فالعدل هو المنطلق لقيام الدولة و عمرانها .
و لا يأتي العمران إلا بإستقامة العدل و برفع الظلم عن الناس حتي يطمئنوا علي أنفسهم و حقوقهم و ممتلكاتهم .
كما نتطلع أيضا إلي حكومة وطنية لديها إرادة جادة للإصلاح و قدرة كبيرة علي تجسيد برنامج فخامة رئيس الجمهورية الإنتخابي طموحي للوطن علي أرض الواقع .
والذي يضم بين دفتيه خمس رافعات أساسية للتنمية و النهوض بالبلاد و العباد نحو غد أفضل .
حكومة ستشكل قطيعة تامة مع ممارسات الماضي الخاطئة و مع الفساد في كل تجلياته من تدوير للمفسدين أو توزير عائلي أو قبلي أو إعادة توظيف المتقاعدين في الوظائف السياسية و رئاسة المجالس الإدارية .
إنطلاقا من ( إللي طلصت سن يطلصها ) .
حيث شكلت مخلفات عهود الأنظمة السابقة في مجال الفساد تركة ثقيلة شملت جميع مناحي الحياة الإقتصادية و السياسية و الإجتماعية.
لدرجة أن الفساد أضحي ثقافة و ممارسة سائدة داخل المجتمع و هواية متأصلة لدي النخب الوطنية في إطار لوبيات متحكمة داخل مفاصل الدولة دأبت علي إفلاس المؤسسات العمومية و الشركات الوطنية و إدارات الدولة و نهبها و الإستحواذ علي كل مقدراتها و ميزانياتها نتيجة سوء التسيير و التدبير في ظل غياب الوازع الديني و الوطني لديها .
و التعود علي الإفلات من المساءلة و العقاب .
الشئ الذي ساهم في انتشار هذه الظاهرة علي نطاق واسع و تقويض مفهوم الدولة و عرقلة جهود التنمية و إعاقة المنجز و المأمول من المشاريع الوطنية الخدمية و الإنمائية .
و كرس الفوارق الإجتماعية من خلال الغبن و التهميش و زاد من إتساع خطابات الكراهية و الحقد داخل المجتمع كادت أن تلقي بظلالها علي التعايش و السلم الأهلي.
حقا نحن بحاجة إلي حكومة بناء و تشييد تبني فوق نجاحات ما تحقق خلال المأمورية الأولي .
حكومة ستحرص وتعمل علي ضبط الأسواق و التحكم في الأسعار و تحسين وتوفير الخدمات الأساسية صحة ، تعليم ، ، كهرباء ،ماء ... الخ
ستمكن الشباب من الولوج إلي الوظائف و المناصب العليا و مصادر القرار و ستمنح المرأة المكانة اللائقة بها ،فهي نصف المجتمع و حاضرة علي كل المستويات داخل المشهد الوطني .
ستعمل علي بناء مشروع إجتماعي إقتصادي و طني متكامل من خلال وضع إستراتيجية وطنية محكمة تهدف إلي تعميق الإنتماء الوطني وفق أصوله السليمة و الحضارية و تؤسس لحماية وحدته الوطنية من كل التحديات و المخاطر الداخلية و الخارجية و قطع الطريق أمام دعاة الفتن و التفرقة .
حيث تعتبر الوحدة الوطنية المرتكز الأساسي في إستقرار الدول و نمائها التي يقوم عليها البناء الوطني السليم .
و بالتالي تشكل هدف التنمية السياسية و غايتها الأولي .
إن المرحلة الراهنة تتطلب إرادة جادة و صادقة لإحداث التغيير عبر إرساء سياسات إصلاح ناجعة في ظل تكافؤ الفرص و تقسيم عادل للثروات تذوب فيه الفوارق الإجنماعية و تزول فيه أيضا حالات الغبن و التهميش و الإقصاء .
إضافة إلي ضرورة التصالح مع الذات و تغيير العقلية الحاصلة لدي النخب الوطنية القائمة علي الشأن العام و تغليب المصلحة العامة علي الخاصة .
نزولا عند الآية الكريمة من سورة الرعد ( إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم و إذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له و مالهم من دونه من وال ) صدق الله العظيم .
إن محاربة الفساد تتطلب جهودا مشتركة في إطار إستراتيجية وطنية شاملة
حيث يعد العائق الأبرز و التحدي الأكبر أمام قيام وحدة وطنية قوية و متماسكة تمكن من تحقيق تنمية مستدامة و ايجاد معيار مقبول للعيش الكريم قد يحد و يقلل من مخاطر هجرة واسعة و متواصلة للشباب خارج الديار .
من جهة أخري يتطلع البعض إلي تشكيل حكومة بناء إنسان عبر التعليم و التكوين
إذ يعد التعليم قاطرة التنمية الحقيقية في العالم و هو المقياس الحقيقي لنهضة الأمم و الشعوب .
حيث أن إعادة تطوير و بناء المنظومة التعليمية يتطلب الوقوف علي الإخفاقات و مكمن الإختلالات البنيوية علي مستوي الإستراتيجيات و السياسات و التجارب الماضية بغية تجاوزها و صياغة تصورات و مقاربات أكثر ملاءمة و واقعية .
إنطلاقا من أن التعليم في أي مكان من العالم يقوم علي أربعة عناصر أساسية هي : -
‐ المعلم .
‐ الطالب
-المدرسة .
‐ المنهج الدراسي .
يشكل الإهتمام بها مجتمعة نواة إصلاح التعليم .
كما أن التكوين الفني يعتبر هو الآخر من الأدوات الرئيسية لتحقيق برامج التنمية الشاملة للنهوض بالإقتصاد و دمج الشباب و توفير اليد العاملة الفنية المؤهلة للقيام بكل المهام في مختلف التخصصات بدلا من الإستعانة بأخري فنية من خارج الوطن.
تأسيسا لما سبق يجمع كل المراقبين و المحللين السياسيين علي أن 64 سنة علي قيام الدولة المركزية و ثلاثة عقود من الممارسة الديمقراطية كانت كفيلة بالنهوض بالبلاد و العباد إلي بر الأمان و تجاوز مرحلة البناء و التأسيس و تصحيح الإختلالات البنيوية و التغلب علي النواقص و إرساء سياسات إقتصادية و تشغيل ناجعة .
و عدم تكرار العودة إلي المربع الأول من خلال ضبط الأمور و وضعها في قالب صحيح يؤسس لمرحلة جديدة من البناء و التشييد .
فموريتانيا تحتاج إلي سواعد جميع أبنائها و تتسع للكل .
لقد مرت البلاد بالعديد من المحطات و المنعطفات التاريخية البارزة التي انعكست تراكماتها لترسم ما آلت إليه الأوضاع اليوم و التي يصفها البعض بالأسوأ و المتدنية مقارنة بأحوال بلدان مجاورة نالت إستقلالها بالتزامن معنا رغم امتلاكها لموارد طبيعية أقل
و بحكم ما تزخر به بلادنا من ثروات طبيعية متنوعة هائلة و تتميز به أيضا من نسبة كثافة سكانية قليلة .
وفي الأخير يبقي المؤشر الوحيد القوي لمدركات الفساد هو المقاربة القائمة علي ( دولة غنية بتنوع مصادر ثرواتها الطبيعية و شعب فقير ..) !
حفظ الله موريتانيا

