مساحة إعلانية

    

  

الفيس بوك

مع القرآن لفهم الحياة / المرابط ولد محمد لخديم

لقد ابتعدنا كثيرا عن كلام الله القرآن العظيم وربما يصدق علينا قوله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم  (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا (2) اتّخذ كثير من المسلمين القرآن كتابًا للبركة في بيوتهم وعزاءاتهم ..، وكثير منهم لا يتناولون القرآن إلا من رمضانَ إلى رمَضان...!!. والتبرك والحصول على مزيد من الحسنات 

لا كمعانٍ وفِكرٍ وكتاب للتدبّر  قال تعالى: "أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا"،(3)

   والقرآن الكريم منهج ودستور حياة يضبطُ اعوجاج الإنسان،ويرشده الى وظيفته في الحياة كخليفة في الارض

وذلك بنظرتهِ الشموليَّة، التي تصلح لكلِّ زمانٍ ومكان. (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ)(4).

الفت  في الاعجاز العلمي كتبا تحت عناوين: معرفة الله : دلائل الحقائق القرآنية والكونيية وكان لي رأي الخاص في هذا المجال محاولا ان اوفق بين آراء 'مفرطة وأخرى مفرطة مبينا قدرة الله  في مخلوقاته على السنة  الدلائل والسنة الخلائق...(5)

وجاء الثاني بعنوان: دين الفطرة حاولت من خلاله ان اجد دينا يوافق (الفطرة) منذ وجود الانسان الى يوم  الناس هذا بأدلة: لغوية فيزيائية ورياضية وفلسفية وعلمية ودينية..

 هذه الكتب والمقالات والبحوث ارشدتني  الى اعداد سلسلة بعنوان: مع القرآن  لفهم الحياة !!

 وهو بالواقع ليس تفسيرًا ولا محاولة للتفسير؛ فهذا الميدان له رجاله من العلماء الاجلاء رحمهم الله.

 لكنها محاولة لتبسيط الافكار والاراء التي تقدمت في الكتب والبحوث السابقة..لتكون في متناول الجميع  قد يجد فيها الطالب المحظري والنظامي وحتى القاريء العادي جوابا عن الحياة والكون والانسان.. ارجوا من الله ان يعينني عليه وان ينفع به  آمبن والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.

   خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه من روحه، وخصه بقسمات وطبائع خاصة به، وسوى بنانه وأفرده ببصمة لا يشاركه فيها أحد لتكون بمثابة توقيعه، ووهبه العقل ميزه به عن سائر مخلوقاته، وأمره بإعماله في الكشف عن قوانين الكون المسخر له، وهداه النجدين وخيره أن يسلك أحدهما بمحض اختياره، وحمله المسؤولية أمانة أبت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها, وحملها الإنسان شفقة واعتدادا. فأسجد الله له ملائكته تقديرا وإكبارا وحسن ظن به، في أنه سوف يحسن اختيار طريق الخير بكدحه وجهده ومعاناته رغم قدرته على اختيار طريق الشر. ثم جعل منه الذكر والأنثى، وسيلة لحفظ نسله ونمائه، وجعل من آياته فيه اختلاف ألسنته وألوانه، وجعل منه شعوبا وقبائل وأمما وحضارات، تتدافع وتتخاصم ثم تتناحر وتتعارف وتتفاهم، وعد ذلك الاختلاف ضرورة لتطور الإنسانية ونموها وتلاقح الثقافات وارتقائها.(6) 

الانسان بفطرته طلعة لا يقتنع من الحياة بمظاهر أشكالها وألوانها كما تنقلها إليه حواسه أو كما ينفعل بها شعوره، بل يتناولها بعقله، وينفذ إليها ببصيرته ليعرف حقيقة كل شيء.. من أين جاء؟ وكيف صار؟ وإلى م ينتهي؟ وهو في إشباع رغبته تلك لا يدخر وسعا من ذكاء أو جهاد حتى يبلغ من ذلك ما يطمئن إليه عقله وتستريح به نفسه(7)

ولهذا كان دائم التطلع إلى خالقه...متسائلا:

   هذه السماء ما هي؟ وهذه النجوم ما أعدادها؟ وما أبعادها ؟.. وما شروق لها وما غروب؟ وما نسق وأنساق تجري عليها، ومواعيد تضربها فلا تخلف أبدا؟

     ويأخذ يمعن النظر رافعا بصره، وهو إذ يملأ بالذي يراه عينا، يملأ به فكرا، ويملأ به قلبا. وعندئذ يرى تلك الصور وهي تجري في أزمة يجمعها آخر الأمر زمام واحد، ويرد تلك المعاني، وهي مختلفة كاختلاف ألوان الطيف من أحمر وأصفر وأزرق، ثم تجتمع كما يجتمع الطيف فيكون منه لون أبيض واحد، ويرد كل هذه المعاني، ويرد كل هذه الصور، وكل هذه المباني,  إلى قدرة الخالق...

     وكشف العلم عن عجيب ما صنع الصانع. كشفه في النبات، وهو صنوف لاعداد لها. وكشفه في الحيوان، وهو أجناس لا حصر لها. وكشفه في الإنسان، أسمى حيوان. وكشف عن أنساق واحدة في كل هذه الصنوف والأجناس جميعا. وكشف عن قوى في كلها تعمل واحدة، على اختلاف في درجات، ولكن على اتحاد في غاية وهدى المنطق، وهدت الفطرة, إلى أن صاحب هذه الأنساق لابد واحد، ومجرى هذه القوى لتعمل على هذه الأساليب الواحدة لابد واحد.

      ونسق العلم ما بين الأرض الجامدة وما عليها من أحياء ونسق ما بين الأرض، جامدها والحي، وبين هذه الشمس وذلك القمر، وأثبت أن المعدن واحد والأصل واحد، وأثبت أن الذي صمم عين الإنسان، بعدستها ومائها، وما وراء الماء من شبكة تلقى عليها الصور، هو لابد الذي صمم هذه الشمس وأخرج منها تلك الأشعة ووجهها إلى الأرض. فهذه العين تكون عبثا لولا هذا الضياء..!

وجاء العلم، وجاء العلماء بألف ألف دليل على وحدة الأرض، وما عليها، ووحدة السماء. ومن هذه الوحدة درج الناس والعلماء إلى وحدة رب هذه الأرض ورب السماء(8)

  وإنسان اليوم عندما ينظر إلى  قدرة الخالق في هذا الكون الواسع بدءا بكواكبه، ونجومه، وشموسه، وسمواته، وانتهاءا بأصغر مخلوق يعرفه العلم الذرة(أ) وأقصى نقطة من الكون توصل إليها العلم الحديث والتي قدروها ب:9,46 تريليون كلم.لتأخذه الرهبة والدهشة لهذه القدرة التي تسير هذا الكون واليك عزيزي القارئ بعض التفاصيل لكي تفهم هذا الرقم تعني السنة الضوئية مقدار مايقطه الضوء في سنة كاملة علما سرعة الضوء تبلغ حوالي 300كلم في الثانية وبهذه السرعة فان الضوء يقطع 18مليون كلم في الدقيقة وتسمى الدقيقة الضوئية وتبلغ المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة 9.460,800,000,000 كلم فما بالك بمليارات المجرات؟ ومليارات السنين الضوئية؟ وتريليونات الذرات؟ (فسبحان الذي خلق فسوى وقدر فهدى) إن العقل عندما يرى سعة هذا الكون ودقة صنعه ليزداد شوقا لكل ما يقرب من خالقه عز وجل.؟؟     

        والعقل بعد أن يصل إلى الحكم بحقيقة وجود الله عن طريق الآثار التي خلقها الله سبحانه وتعالى يرى نفسه عاجزا عن فهم الحقائق المحيطة والمتصلة به، ويرى من الواجب أن يكون هناك اتصال واضح بينه وبين خالقه ليرشده ويهديه إلى الأمور التي يقف عاجزا أمامها ولا قدرة له على حلها. ولما كان العقل محدود (9) والمحدود لا يستطيع أن يتصل بغير المحدود شاء الله العظيم الخالق المدبر أن يتصل هو بنا.

         ثم أتت رسل تخبر أنها أرسلت من الله، ببراهين تفوق عقل الإنسان...

والعقل بعد أن يصل إلى الحكم بحقيقة وجود الله عن طريق الآثار التي خلقها الله سبحانه وتعالى يرى نفسه عاجزا عن فهم الحقائق المحيطة والمتصلة به، ويرى من الواجب أن يكون هناك اتصال واضح بينه وبين خالقه ليرشده ويهديه إلى الأمور التي يقف عاجزا أمامها ولا قدرة له على حلها. ولما كان العقل محدود (10) والمحدود لا يستطيع أن يتصل بغير المحدود شاء الله العظيم الخالق المدبر أن يتصل هو بنا.

ثم أتت رسل تخبر أنها أرسلت من الله، ببراهين تفوق عقل الإنسان، فأتى موسى وعيسى ثم محمدا صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون البرهان الذي يأتي به الرسل هو المعجزة البشرية التي تثبت حقيقته وتبين هويته، وتظهر رسالته وتؤكد بأنه رسول من عند الله.

والمعجزة الأخيرة هي القرآن الكريم الذي أتى يجدد من الناحية الشرعية علاقات الإنسان بنفسه وبخالقه الكريم، وبغيره من بني الإنسان.

والقرآن الكريم إما أن يكون من عند العرب وإما أن يكون من عند محمد صلى الله عليه وسلم وإما أن يكون من عند غير العرب.

فأما انه كان من عند العرب فباطل لأنهم قاوموه وحاربوه ووصفوه بالسحر واتهموه بالكذب، وأما انه كان من عند غير العرب فباطل أيضا لان الإنسان الذي يعيش لغة فيعبر عن آلامه وفرحه بأسلوبها ونسجها لا يمكن أن يجاريه ويباريه الذي يريد أن يتعلمها وخاصة إذا تساويا بالمعلومات وبالقدرة على الفهم، وإما انه كان من عند محمد فباطل لان محمد إنسان والإنسان لا يمكن أن يصل إلى واحدة من هذه الشروط الثلاثة:

      1_لا يمكن للإنسان أن يسبق عصره

      2_ لا يمكن أن يتحدث عن شيء ما لم يسبق هذا الشيء إلى دماغه من واقعه الذي يعيشه.

      3_لا يستطيع أي إنسان أن يتحدث عن عصرين مختلفين أو أن يتحدث بأسلوبين مختلفين. وهذه الشروط الثلاثة أتت عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم فاثبت معجزته ودمغت الباطل إلى يوم الدين وهي موجودة وميسورة لكل إنسان يريد أن يتفكر أو ألقى السمع وهو شهيد.

     ولو اطلعت أيها الإنسان المفكر لأدركت الفارق الكبير(11) بين الحديث والقرآن الكريم وأيقنت أن القرآن الكريم هو من عند غير صاحب الحديث أي من عند غير محمد صلى الله عليه ولو اطلعت على الشعر والنثر الجاهلي وما كان يحيط (12) بمحمد بن عبد الله لأيقنت أن هذا القرآن لم يسبق إلى دماغ محمد صلى الله عليه وسلم شيء من الواقع الذي عاشه.  فإذن يكون القرآن الكريم لم يتحدث به احد من قبل محمد صلى الله عليه وسلم.

  فما هو القرآن ؟! وما الخصائص التي تبرهن على أنه من عند الله ؟!.

   القرآن هو: اللفظ العربي المعجز المُوحَى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته والواصل إلينا عن طريق التواتر.

وهذا التعريف يشمل قيودا أربعة هي:

         أولا.المعجز: ويقصد منه ما اتصف به القرآن من البلاغة والبيان الذين أعجزا بلغاء العرب كافة عن الإتيان بأقصر سورة من مثله، رغم التحدي المتكرر، ورغم التطلع الشديد لدى الكثير منهم إلى معارضته والتفوق على بيانه. وللقرآن وجوه غير هذا الوجه في إعجازه، ولكن الوجه المقصود منها عند التعريف هو هذا.

       ثانيا.الموحى به: ومعناه المنزل عليه من الله عز وجل بواسطة جبريل، وهذا أهم قيد في تعريف القرآن وتحديد ماهيته.

       ثالثا.التعبد بتلاوته: والمقصود به أن من خصائص هذا الكتاب الكريم أن مجرد قراءته تكسب القارئ أجرا ومثوبة عند الله، وأن ذالك يعتبر نوعا من العبادة المشروعة، وأن الصلاة لا تصح إلا بقراءة شيء منه ولا يغني عنه غيره من الأذكار أو الأدعية أو الأحاديث.

       رابعا: وصوله عن طريق التواتر. ومعناه أن قرآنية آية من القرآن لا تثبت حتى تصل إلينا بطريق جموع غفيرة لا يمكن اتفاقها على الكذب، ترويها عن جموع مثلها إلى الناقل الأول لها بعد أن تنزلت عليه وحيا من الله عز وجل، وهو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. ويعقب الدكتور البوطى على هذه التعاريف في كتابه المتميز«من روائع القرآن». الذي اعتمدناه لشموله ومنهجيته, أن هذه القيود الأربعة في التعريف,تبين حقيقة القرآن خالية من كل الشوائب أي ليس بالحديث النبوي أو القراءات الشاذًًة أو الحديث القدسي أو الترجمة الحرفية أو غير الحرفية للقرآن.إذ الحديث القدسي ليس بمعجز والقراءات الشاذة غير متواترة, والحديث القدسي غير معجز, ذالك لأن اللفظ فيه من الرسول صلى الله عليه وسلم, والترجمة ليست هي اللفظ المنزل. وهذا ما جعل عامة الباحثين من علماء العربية والتشريع والفلسفة والفرق المختلفة يجمعون على أن القرآن معجز. وأن لهذا الإعجاز تعريفان:

أولهما: هو المعتمد لدى جمهور العلماء والباحثين.

       والثاني: تفرد به أبو إسحاق إبراهيم النظام (ت:231) اللغوي ألمعتزلي المعروف، ثم تبعه في ذالك بعض الناس من فرقته وجماعته.

      وحسب التعريف الأول: فإن القرآن قد سما في علوه إلى شأو بعيد بحيث تعجز القدرة البشرية عن الإتيان بمثله، سواء كان هذا العلو في بلاغته أو تشريعه أو مغيباته.

     أما التعريف الثاني: فهو أن الله قد صرف قدرات عباده وسلب همتهم وحبس ألسنتهم عن الإتيان بمثله.

    ويرى البوطي(13) أن الفرق بين التعريفين هو أن مصدر الإعجاز في التعريف الأول علو منزلة القرآن عن مستوى الطوق البشري، أما مصدره في التعريف الثاني فهو حبس القدرات وصرف الهمم عن معارضته وتقليده، أي فهو قد يكون، والحالة هذه غير بعيدة في منزلته البلاغية عن طاقة البشر ، ولكن الله ، تصديقا لنبيه ولطفا به، صرف الناس عن تقليده ومحاكاته.

مرجحا تعريف الجمهور لأنه أقرب للعقل والفهم ومستبعدا تعريف النظام ومن تبعه لعدم اعتماده على العقل والمنطق.

        ولم يكن البوطي هو الوحيد الذي انتقد هذا التعريف بل هناك الكثير من الباحثين ممن ردوا عليه حتى أن الجاحظ سخر منه.

      يقول الإمام البقلانى في كتابه إعجاز القرآن:

    " .. لو لم يكن القرآن معجزا على ما وضعناه من جهة نظمه الممتنع ، لكان مبهما حُطً من رتبة البلاغة فيه، ووضع من مقدار الفصاحة في نظمه كان أبلغ في الأعجوبة إذا صرفوا عن الإتيان بمثله، ومنعوا عن معارضته وعُدلت دواعيهم عنه، فكان يستغني عن إنزاله على النظم البديع وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب.

         على أنهم لو كانوا صرفوا على ما ادعاه ـ أي القائل بهذا التعريف ـ لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف، لأنه لم يتحدوا إليه، ولم تلزمهم حجته. فلما لم يوجد في كلام من قبله مثله، علم أن ما أدعاه القائل بالصرفة ظاهر البطلان").

         ثم يقول بعد ذالك:

        " ومما يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع الصرفةـ لم يكن الكلام معجز، وإنما يكون المنع هو المعجز، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه، وليس هذا بأعجب مما لو قيل: إن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه بعد"(14)

        يقول البوطي في هذا الصدد:

    " إن أيسر ما يوضح فساد تفسير إعجاز القرآن بالصرفة، أن الواقع قد خالف ذالك، فلم يصرف الناس في الحقيقة عن الإقبال إلى تقليده ومجازاته. بل قام في التاريخ من حاول أن يعارض، وعارض وأتي بكلام زعم أنه قد حاكي به كلام الله عز وجل، ولكنه جاء مرذولا سمجا لا قيمة له"(15)

     (من ذالك ما حدث من الشاعر العربي لبيد ابن ربيعة, الشهير ببلاغة منطقه وفصاحة لسانه، ووصالة شعره. فعندما سمع أن محمدا صلى الله عليه وسلم يتحدى الناس بكلامه قال بعض الأبيات ردا على ما سمع، وعلقها على باب الكعبة، وكان التعليق على باب الكعبة امتيازا لم تدركه إلا فئة قليلة من كبار شعراء العرب ، وحين رأى أحد المسلمين هذا أخذته العزة، فكتب بعض آيات القرآن، وعلقها إلى أبيات لبيد، ومر لبيد بباب الكعبة في اليوم التالي، ولم يكن قد أسلم بعد، فأذهلته الآيات القرآنية، حتى إنه صرخ من فوره قائلا:(والله ما هذا بقول بشر، وأنا من المسلمين).

          وكان من نتيجة تأثر هذا الشاعر العربي العملاق ببلاغة القرآن أنه هجر الشعر، وقد قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما: يا أباعقيل: أنشدني شيئا من شعرك، فقرأ سورة البقرة, وقال: ماكنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله سورة البقرة وآل عمران.(16).

         ومن ذالك أيضا ما وقع لاين المقفع كما جاء في كتاب المستشرق (ولاستن) وعلق عليه بقوله: ".. إن اعتداد محمد بالإعجاز الأدبي للقرآن لم يكن على غير أساس، بل يؤيده حادث وقع بعد قرن من قيام دعوة الإسلام" (17) 

         والحادث كما جاء على لسان المستشرق، هو أن جماعة من الملاحدة والزنادقة أزعجهم تأثير القرآن الكبير في عامة الناس، فقرروا مواجهة تحدي القرآن، واتصلوا لإتمام خطتهم بعبد الله بن المقفع 727م، وكان أديبا كبيرا. وكاتبا ذكيا. يعتد بكفاءته فقبل الدعوة للقيام بهذه المهمة..وأخبرهم أن هذا العمل سوف يستغرق منه سنة كاملة، واشترط عليهم أن يتكلفوا بكل ما يحتاج إليه خلال هذه المدة.

         ولما مضى على الاتفاق نصف عام، عادوا إليه، وبهم تطلع إلى معرفة ما حققه أديبهم لمواجهة تحدي رسول الإسلام، وحين دخلوا غرفة الأديب الفارسي الأصل، وجدوه جالسا والقلم في يده، وهو مستغرق في تفكير عميق، وأوراق الكتابة متناثرة أمامه على الأرض، بينما امتلأت غرفته بأوراق كثيرة، كتبها ثم مزقها.

        لقد حاول هذا الكاتب العبقري أن يبذل كل مجهود، عساه أن يبلغ هدفه، وهو الرد على تحدي القرآن المجيد..ولكنه أصيب بإخفاق شديد في محاولته هذه، حتى اعترف أمام أصحابه، والخجل والضيق يملكان عليه نفسه، أنه على الرغم من مضي ستة أشهر، حاول خلالها أن يجيب على التحدي، فإنه لم يفلح في أن يأتي بآية واحدة من طراز القرآن!! وعندئذ تخلى ابن المقفع عن مهمته، مغلوبا مستخذلا"!! (18) 

    وغيره كثر ممن حاولوا مواجهة هذا التحدي، غير أنهم أخفقوا إخفاقا ذريعا, من هؤلاء أبو الحسن أحمد بن يحي المعروف بابن الرواندي، والنضر بن الحارث، وطليحة بن خويلد ألأسدي, ومسيلمة بن حبيب الكذاب وقد كان مسيلمة من فصحاء العرب، وكان إذا تكلم على سجيته جاء بكلام جيد، لا يوزن بشيء من السخف الذي انحط إليه عندما حاول تقليد القرآن ومعارضته.

         وهكذا لا يزال تحدي القرآن الكريم قائما ومستمرا على مر القرون والأجيال وهو معجز في القرن العشرين أكثر مما كان عليه لأنه استمر تحديه أربعة عشر قرنا. ومع نمو العقل البشري عجز الإنسان عن الإتيان بسورة واحدة من مثله....

فالقرآن الذي بين ايدينا اليوم، هو الذي أنزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم منذ 1400سنة خلت وهو على ما كان عليه؛ لا زيادة فيه ولا نقصاً،..

 وهو معجز في القرن العشرين أكثر مما كان عليه لأنه استمر تحديه أربعة عشر قرنا. ومع نمو العقل البشري عجز الإنسان عن الإتيان بسورة واحدة من مثله، وهذا هو برهان التجربة والمشاهدة، وهو الذي عناه الخطابي في كتابه:" بيان إعجاز القرآن" عندما قال:

            " ...والأمر في ذالك أبين من أن نحتاج إلى أن ندل عليه بأكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه" (19)

      " وبيان ذالك أن العرب بدأوا فسألوا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية تدل على صدق دعوته ورسالته. فأخبرهم الله تعالى بأن القرآن أعظم آية تدل على ما يريدون، وذالك في قوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ءايات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفيهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذالك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ﴾(20)

           ولكن الكافرين أنكروا أن يكون في شيء من آي القرآن ما يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وادعوا أنه كتابا كغيره ليس فيه ما يعجز عن الإتيان بمثله، وأعرضوا عنه قائلين ما نقله الله على لسانهم؛ ﴿ قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ (21)

           وحينئذ تحداهم الله ـ أو قل تحداهم القرآن إن شئت ـ أن يأتوا بسورة من مثله.

            وأفرغ هذا التحدي في قوالب مختلفة من اللفظ والأسلوب، وأنهضهم إلى الإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة منه، بالتقريع والتحميس ومختلف أشكال التحدي فقال لهم مرة:

         ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ﴾.(22)

         وقال مرة أخرى:

         ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ﴾(23) وقال لهم مهيجا ومقرعا:

﴿ أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ﴾.(24)

          ولقد كان من مقتضى قولهم:......يتواصل...

أحد, 29/08/2021 - 11:35