مساحة إعلانية

 

    

  

الفيس بوك

هل قضايا البلاد المصيرية بأيد مؤتمنة؟

((أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ))، (حديث) 

الولي ولد سيدي هيبه

في ظل ما يكون من ضعف تناول النخب السياسية و الثقافية للقضايا الجوهرية و المصيرية الشائكة التي تهدد الكيان في الصميم أمر يدعو لألف تعجب و تعجب. نخب متخمة بالشهادات العالية في كل حقول العلم و المعارف من:
• أساتذة جامعيين و مفكرين و منظرين و مخططين،
• فقهاء أضافوا على معارفهم الدينية معارف العصر و تفتحه على المسألة المعتقدية بكل أوجهها في العالم من حولهم،
و من:
• سياسيين نهلوا من كل الايديولوجيات و مارسوا كل أنواع النضال في إطار العمل الحركي قبلا و لاحقا في إطار الأحزاب التي هي:
• أطر منظمة ذات خطابات مكتوبة و نظم تسييرية دقيقة و فلسفة فكرية رصينة،
• و قواعد بشرية مناضلة في هذه الأطر على مختلف مستوياتها المعرفية و العقدية و النضالية و العملية.

أرضية للبلد لا تشكو نقصا من كل هذه الأوجه و هي مع ذلك محفوفة ببؤر و أسباب الانزلاق الكثيرة، لا تكاد تقوى على تحمل بنية مما تتطلبه تضاريس الدولة الثابتة الأركان.
فما هي إذا أسباب هذا الضعف الحاصل على خلفية ما هو كائن من الوعي و توفر الأسلحة المعرفية المتنوعة و المعينة على استشراء ة تمكن الوعي؟

و هل كل هذه المعارف إلا رمادا ماتت جذوته المتقدة بعد التخرج و الأخذ بزمام المعارف و الحرفية و أصبحت رمادا يذرى في أعين الشعب المدجن ليظل محكوما بما كان من "غلبة" عقلية "السيبة" و استحكام قانون "التراتبية" الظالم و تقاسم السلطة و الثروة قسمة "ضيزى"؟
و إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تتمخض هذه الحالة عن وضع "مقاوم" يسعى إلى تغيير المفاهيم المغلوطة و يضع الأمور في نصابها كما حدث و يحدث في شتى بقاع العالم و من حول هذه البلاد دون احتكام إلى غير الوعي و غلبة العلم و الرشد؟

بالطبع فإن هذه الأسئلة التي يطرحها واقع الأمر الذي يميزه جمود عما طبع به حراك العالم، قبل منطق الأشياء المتسم بجهل ذلك في قالب تجاهله، تظلل أسئلة جد واردة؛ و يظل من الملح أيضا أن تكون أولى ملامح أو بوادر تشكل الأجوبة الملحة عليها وجوبا ما ينصب على نحو:

• كيف تظل ماهية حكم البلاد مرتبطة دون تغيير في الذهنية العامة و كأنها قدر أزلي بمعايير التقسيمات المعتمدة، قبلية و جوية و طبقية و أسرية داخل الإثنيات و ما يطبعها في الصميم من "تراتبية" هرمية مصطنعة، جائرة و مفتقرة إلى كل مقاييس القيم الإنسانية و ضوابط دولة القانون و العدالة. التي ولى زمانها ؟
• كيف لا تستفيد البلاد في بناء ملامحها العمرانية و الحضارية من طرق و مؤسسات تعليمية و تكوينية و صحية، و من قواعد صناعية و منشآت و هياكل خدماتية، من خيراتها الوفيرة و نهرها المعطاء و شواطئها الزاخرة بالأسماك و البترول و الغاز و مختلف المقدرات الأخرى الرابضة في القاع؟ ثم كيف تغيب مدن الشاطئ بثقافتها المتميزة و صناعاته المتنوعة و سياحتها السحرة المدرة في الجزر الأسطورية التي ألهبت ذات يوم مشاعر الفاتحين المرابطين و الرسام الفرنسي الكبير الفنان الفرنسي الرومانسي تيودور جيريكو Théodore Géricault الذى أبدع رسما تحفته الفنية Le radeau de la Méduse و الأحواض ذات الشهرة العالمية كحوض آركين Le Banc d’Arguin بساكنتها الفريدة طيورا و "فقمات" و غيرها من عجائب المخلوقات المتناقصة الأعداد و المهددة بالانقراض، و في ملتقى البحرين النهر و المحيط أو المصب حيث حظيرة "دياولينك Diawling" المحمية الرائعة بتنوعها البيلوجي؟
• كيف ظلت القلة القليلة من إفرازات حكم عقلية "السيبة" المقيتة الجاثمة على هذه البلاد تستأثر بكل شيء منذ الاستقلال و على شكل يأبى التأويل فلا يستسيغه الفهم المتنور السليم و يَعمى الشعب المغلوب على أمره في إغماءة الضعيف المهزوز عن رؤية طواحينها التي تلتهم أسباب قيامه و بقائه على لفية قبول المستسلم الخائر حتى انطبق عليه قول الشاعر إليا أبو ماضي:
و يرى الشوك في الورود و يعمى .... أن يرى فوقها الندى إكليلا

حالة من الضعف و الاستسلام السلبي الذي تحول بفعل الحيف و الهوان على مر الزمن إلى قدرية سلبية تأخذ كل أسباب ديمومتها من جبروت "التراتبية" التي سنتها و حافظت على بقائها حتى بات هذا الشعب بما تتكشف عنه أوضاعه المتردية من تعارض مفضوح مع معطى بلده الاستراتيجي و حوزته على قسط وافر من الثروة المعدنية المتنوعة و الأراضي الصالحة للزراعة على نهر جار، و من ثروة حيوانية هائلة و شواطئ غنية بالأسماك و البترول.. وضعية مزرية بات معها هذا الشعب عبئا ثقيلا على الحياة كما يقول الشاعر ثانية و يوجه سياط الاستنهاض:
هو عـبء علـى الحيـاة ثقيـل .... من يرى في الحيـاة عبئـا ثقيـلا
قلة من المثقفين وصلوا بالشهادات دون محتوياتها إلى مناصب عالية و تسييرية كبيرة، و سياسيين ملأ ضجيجهم الفضاء بعصارة الفكر النظري و ألتنظيري العالمي دون التطبيقي، و مرشدين لامسوا الكراسي العالية لا يصدحون بالحق، و حثالة كالغثاء تعمر خواء التغيير و غياب القسطاس، تتقاسم جميعها في غفلة من الزمن و احتواء على المكان خيرات البلاد الوفيرة و تلهو بمدخلات صادراتها الجمة و المتنوعة بعيدا عن حقول الاستثمار في الوطن و المساهمة في بناء قواعد الدولة المكينة، و تمسك بزمام الشأن السياسي من خلال الأحزاب التي تقف منيعة في صف الصراع على السلطة و تقاسمها في محاصصة لا يدركها الأغبياء من خلال هذه القلة المنشئة و المتبنية و المحركة و المغذية له و الماسكة بزمامه مبتدءا و مختتما و واقفة ضد الشعب الغائب همه عمليا عن حياضها، تسلبه صوته عبر كل القنوات السقيمة و لا تعيره اهتماما في برامجها و مستقبل حكمها.

فهل في ظل وضع كهذا من مؤتمن صادق على قضايا البلد الكبرى و المزمنة التي شيئا في المرئي المعيش يمنع القول إن هؤلاء جميعهم من مثقفين، و سياسيين، و مهتمين مرشدين يدسون رؤوسهم في التراب عن وفا من حمل هذه القضايا على محمل الجد تماما كما تفعل النعامة عندما يحدق بها الخطر من كل جانب، أو أنهم في غيهم و استهتار بما هو المبرر الأول لاعتبارهم يعمهون؟

 

خميس, 08/10/2015 - 12:07