مساحة إعلانية

 

    

  

الفيس بوك

حمى غامضة تهدد الجميع إلى متى؟

بقلم: عبد الفتاح ولد اعبيدن المدير الناشر لجريدة "الأقصى"

منذ قرابة شهر بالمقاطعة الأولى-وتحديدا في منطقة دار البركه-، أعاني مع أفراد الأسرة من الحمى.

وبعض الجيران كذلك، فهل أصيب نصف سكان نواكشوط، أم أقل من ذلك.

على كل حال إنه عدد كبير يزيد على الآلاف أصيبوا بحمى غامضة بوجه خاص، لكثرة المستنقعات وضعف الرعاية الصحية والإجتماعية للمواطنين عموما.

سنة 2014 قالوا لنا حمى تيارت، وفي مطلع سنة 2015 قالوا حمى عرفات وأخيرا بعد توارد بعض الحالات الوافدة، التي توفي بعضها، قالوا حمى الوادي المتصدع.

فهل هي الحمى الملل من نظام ولد عبد العزيز، الذي لم يحقق العدل، وأفرط في العناية ببعض ذويه وبعض المقربين منه؟
أم هي حمى الحوار، الذي حركت الحكومة كل مقدراتها تقريبا، لتأليب جميع مكونات الشعب من حول شعارات هذا الحوار الأكثر غموضا؟.

إن هذه الحمى التي تعبث بإستمرار، بصحة أغلب الشعب وتعوق، تقريبا جميع مستويات جهود التنمية، جديرة بالفحص ومستوى أكبر من الصراحة، حتى تصبح أكثر تبيانا وجلاءا، ليتبين المعنيون على الأقل، من البحث الناجع، عن علاج حقيقي مؤثر لعدواها المهددة.

في إحدى الزيارات لمستشفى المقاطعة الأولى في وقت متأخر من الليل، قال لنا الحراس، الممرضون مضربون، ولا نستقبل أحدا، وكان ذلك قبل شهر تقريبا.

وبعد ذلك بأسبوعين، زرت نفس المستشفى فلاحظت بعض الجد لدى أفراد الفرقة المداومة ليلا، لكنهم لكثرة المتوافدين على المشفى، لا يقدرون على إتقان العمل.

حيث جاءت سيدة تختنق بسبب نوبة ربو، ومع قلة ماهو متاح من غاز التنفس الإصطناعي، لم تتمكن هذه السيدة من المقاومة، فأسلمت الروح لبارئها، وأعلن الطبيب المداوم وفاتها، رغم أن حالتها قابلة للعلاج، إلا أن المستشفى غير المجهز على الأقل بما يكفي للتنفس الإصطناعي..

فحل الأجل وأخبر ذووها، الحاضرون، وتابع الفريق علاج أهل الحمى بمسكنات فحسب، لا يدعون أنها علاجا كاملا.

ويصر بعض الممرضين أن هذه الحمى، ليست حمى الملاريا، لأنها لا تحمل نفس الأعراض.

وقال الناس إنها حمى تيارت، وحمى عرفات، وقال حزب "التكتل" إنها حمى الضنك، وتشاجرت الحكومة والمعارضة على هوية هذه الحمى الغامضة فعلا، ولما وصل الأمر إلى الموت في بعض الحالات، التي لم يتمكنوا من التكتم عليها، قالوا رسميا إن بعض حالاتها، حمى الوادي المتصدع.

كما يدعي بعض المواطنين، أن مفعول ما تصب السيارات ليلا، أحيانا من غازات ضد الناموس، ربما يكون ضرره على الإنسان أكثر منه على المستنقعات وسكانها من الباعوض.

إن هذه الحمى تستحق الدرس والمواجهة، لأنها أضحت فعلا مصدر خطر حقيقي متواصل، على صحة الكثير من المواطنين، في العاصمة وكافة التراب الوطني تقريبا.

غير أن الجهات الرسمية، لم تتحرك إعلاميا إلا متأخرة، حيث بقي المواطن في حالة غموض وترقب، وتأثر ميداني من جراء هذا الداء الغامض، الذي ما يبدأ شهر أغسطس إلا وإستهل، يجر ذيله الثقيل على صحة وعافية الكثير من أبناء هذا البلد المنهك المهمل.

قد تتحاشى الحكومة رسميا، التصريح بوباء ما، حتى لا تسجل موريتانيا كدولة وبائية، فيتحاشاها السواح أكثر، لكن صحة المواطنين أهم من كل هذه الإعتبارات وغيرها.

إن من حق المواطن أن يعرف وأن يبحث لصحته عن حصن منيع، أو متوسط على الأقل.

أم أن حملات الحوار والتمهيد للمجهول أو المعلوم في حساب مخططيه، أهم من صحة الجميع، وليبق الجميع في المقابل في دائرة التهديد الحقيقي، بين معاناة المرض أو حتى الوفاة أحيانا، رغم سرية الكثير من الأرقام.

وتمثل هذه السرية والتكتم مصدر غموض قد يفاجئ الجميع يوما ما لا قدر الله.

وزير الصحة جلفون، يأوي إلى ركن عقلية الإستبداد في تناول الشأن العام الصحي، ويقول بأن البعض يتمنى فحسب، لموريتانيا أشياء غير طيبة، ولا يريد الإعتراف بما حصل من إنجازات؟

يا وزيرنا المقدس لنظام العسكر، النافذ في ظل القبعة والمدفع، إن الإنجازات في عهد نظامك الحالي، أولها العجز وعنوانها الترقب في غياب الخطة اللازمة المناسبة، ومآلها مواصلة المعاناة وحصد وعد الضحايا.

فمناقشة الأوضاع لا تعني كراهية الوطن ولا المواطن ولا حتى النظام ربما، ولكنها تعني الصراحة والوعي والبحث عن منفذ إنقاذ، للوصول إلى شاطئ الأمان.

فقد تكاثرت حالات هذه الحمى، وتكاثر ضحاياها في السر والعلن أحيانا، في جو تطبعه التغطية والنفور من المكاشفة الإيجابية المتوازنة.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وارضاه، من شدة عدله وحرصه على هناء الرعية ورخائها، حتى البهائم منها، يقول أنه يخاف أن يسأله ربه عن بغلة عثرت على شاطئ الفرات بالعراق، لما لم تسو لها الطريق يا عمر؟.

فهل يخاف حكامنا ووزراءنا وأطباؤنا وإعلاميونا وممرضونا وغيرهم مثل هذا الخوف أو قريب منه، إشفاقا على رعيتهم ومسؤولياتهم، أم الأهم هو بعثات الحوار، والشرح وتهيئة الساحة بأسرها للمجهول.

وقافلة الحمى تسير، ومسيرة العجز تتواصل، والضحية الأول والأخير، هو المواطن، وبصورة أخص المواطن الضعيف، الذي لا يقدر أحيانا على شراء الدواء، أولى وأحرى شراء ما تتطلبه صحته وصحة أسرته، من مواد غذائية نوعية في هذه الحالات، ومستلزمات أخرى مختلفة ومتعددة.

لك الله يا موريتانيا، وضعفائها، والذين يمثلون السواد الأعظم من هذه الساكنة الهشة عموما.

اللهم حفظك وأمانك لهذا البلد المسكين وساكنيه، وما ذلك على الله بعزيز..

 

ثلاثاء, 06/10/2015 - 08:30