من باب الانصاف ... قراءة نزيهة لمقتل كبولاني
الجمعة, 02 نوفمبر 2012 09:16

يعتبر تحريف الوقائع التاريخية جناية اخلاقية و خيانة اجتماعية لا تغتفر، كما أن الانحياز السلبي في مجال السرد التاريخي عيب يفقد أي بحث فحواه و يتركه مجرد فكاهة فارغة لا قيمة له من الناحية العلمية، و في موريتانيا للأسف الشديد تشهد ساحة التدوين الكثير من التلاعب بتراث الأمم و أمجاد الشعوب حيث قام الكثير من الباحثين بتناول مواضيع تاريخية حساسة دون الاتصاف بأبسط قواعد الانصاف والحياد، والمثال الذي سنتحدث عنه اليوم لكي نكشف للقارئ الكريم حقائقه المخفية، حدث تاريخي هام هو معركة تجكجة التي أودت بحياة العدو الفرنسي المحتل أكزافي كبولاني.

لقد ظلت معركة تجكجة (12 مايو 1905) التي قتل فيها المستعمر الفرنسي كبولاني منذ ذلك الوقت الى حد الساعة، تثير نقاط استفهام عديدة، كما ظلت مثارا للكثير من الشكوك والتناقض بين المؤرخين الذين لم يتصفوا في الغالب الأعم بمبادئ الانصاف و ضوابط السرد المنطقي للوقائع التاريخية الحساسة.

وفي هذا المقال لن أتعرض لتفاصيل المعركة بل سأكتفي بسطور قليلة أزيل فيها الشكوك عن الحقائق التي يجب أن تظهر للجميع وبذلك ننصف الأبطال الحقيقيين للمعركة و نكشف الالتباس القائم منذ تاريخ تلك الواقعة الى اليوم.

•    السياق العام للمعركة:

لقد جاءت معركة تجكجة في سياق تاريخي وطني خاص حيث كان المستعمر الفرنسي آنذاك يخطط لبسط نفوذه على مناطق عدة من البلاد، و توازيا مع تلك الرغبة الشديدة في الهيمنة والاستحواذ كانت أعين المجاهدين الغيورين على مصلحة الوطن ترصد حركات العدو وتتحين الفرص المناسبة للانقضاض عليه.

أما السياق المحلي للمعركة فيأتي ضمن عوامل قوة الارادة و صلابة العزيمة و حب السبق في الاطاحة بالعدو، تلك العوامل المترسخة في ذهن كل من شرب مياه مقاطعة أوجفت العذبة و ضربته حصى رمالها الطيبة. لم يكن سكان أوجفت على قطيعة بخيط المقاومة الوطنية ضد المستعمر الفرنسي رغم صعوبات مناخ المقاطعة و عزلتها بل كان لهم الدور الرائد المتمثل في القضاء على قائد عمليات فرنسا في موريتانيا المفوض العدو كبولاني.

لقد بدأ أهالي أوجفت التفكير مبكرا في القضاء على المحتل العدو كبولاني ذلك التفكير بدأ لعدة دوافع: أولا دوافع الواجب العام حيث كان الوضع حسب فتاوى الفقهاء آنذاك يفرض على كل مكلف المشاركة قدر المستطاع في مقارعة العدو المحتل، كما أن مقاطعة أوجفت تقع جغرافيا على الحدود مع ولاية تكانت وبالتالي منطقيا أن يكون الأوجفتي سباقا في مواجهة ذلك العدو والتصدي له و تهيئة كل ما يلزم لذلك.

ولدت الفكرة أولا لدى المجاهد الشهيد الشريف سيدي ولد ملاي الزين ولكنه لم يخبأها كثيرا بل باح بها لمقربيه و جواره الذين يثق في شجاعتهم و قدرتهم على مساندته حتى يحقق حلمه الوحيد و هو قتل العدو كبولاني.

بدأت الأحلام تداعب أفكار المجاهد سيدي ولد مولاي الزين في مكان على مشارف وادي أمحيرث و هو من أهم أودية أوجفت من منظور (الكيطنة)، و من منظور أدق فالسواد الأعظم لسكان وادي أمحيرث من فخذ أهل التناكي (قبيلة إديشلي)، وهذا ما سيظهر لاحقا حيث سنلاحظ أنهم احتلوا نصيب الأسد في المشاركين في المعركة.

نزل المجاهد سيدي ولد ملاي الزين في وادي أمحيرث و بدأ التخطيط للمعركة بالتشاور مع رفاقه و اتفقوا على السير بسرعة الى ميدان المعركة على أن يناقشوا تفاصيل سيناريوهات المعركة ميدانيا و خلال جلسات الطريق، وهكذا أكمل الأبطال تجهيزاتهم و وواصلوا طريقهم صوب تجكجة حيث يحل العدو كبولاني.

•    المجريات الميدانية للمعركة:

كان يتزعم الفرقة الشهيد الشريف سيدي ولد مولاي الزين، معه ابنه عبد الرحمن الملقب اللل والعربي بن زيدان؛ ومحمد السالك بن السالك الملقب الجاش، والسالك بن الدده وول يما وسيد أحمد واحمد إبني عميره، وأسويدات بن أبياه ومحمد المختار بن سيدي بن ببيط الملقب أندمان وسيد احمد بن بن ويس، والكوري بن الشويخ، أحمود بن أعلي،وأحمد بن هنون، ومحمد بن الصفرة، وأحمد بن لميلح، وأحمد بن ميلود بن لفرك، وبعد إجتيازهم "الخط" الذي يفصل بين آدرار وتكانت إلتحق بهم كل من: أحمد سالم بن آركان وموسي بن بوأبيط ومحمد بن عميرة وعبد الرحمن بن العبد ومحمد بن بوأبيط وهؤلاء الخمسة كانو مطاردين من قبل عناصر العدو كوبولاني.

وفي موضع "كيلمس" قرب لحويطات إلتقو بسيدي بن أحمد بن بوبيط الذي أفرج عنه بعد أن كان سجينا في المعسكر، وطلبوا منه أن يرافقهم فأطلعهم علي أن حالته الصحية لا تسمح له بذالك، وانه معروف من قبل الفرنسيين وساكني المعسكر، ولكنه وصف لهم الشكل الداخلي للمعسكر والتحركات العادية لأعضاء البعثة حسب أوقات النهار والليل. تمكن عناصر الفرقة من التسلل ودخول معسكر العدو كبولاني في حدود العاشرة ليلا حيث قتلوا حراس ثكنة العدو طعنا بالسيوف (دون اطلاق نار) مما سهل لهم الولوج الى داخل معسكر العدو، لحظتها رفع المجاهد سيدي ولد مولاي الزين صوته بالتكبير إيذانا ببدء المعركة.

توزع المجاهدون بسرعة فائقة وسط الثكنة لتنفيذ مخططهم العسكري الهادف الى قتل العدو  كبولاني ورفاقه، سار المجاهد سيدي ولد مولاي الزين والمجاهدين أحمود ولد أعلي و محمد ولد اعمير الى جناح العدو كبولاني كان سيدي ولد مولاي الزين يحمل سيفا أما رفيقيه ولد اعمير و لد أعلي فكانا يحملان بندقيتين من نوع (لكشام)، أستشهد المجاهد سيدي ولد ملاي الزين عند مدخل خيمة العدو كبولاني بينما تمكن رفيقيه محمد ولد أعمير و أحمود ولد أعلي من الدخول و مواجهة العدو وجها لوجه في حيز ضيق لا يسمح باستخدام السلاح.

أشتبك البطل محمد ولد أعمير مع العدو كبولاني ودار بينهما اشتباك قوي و في ذلك الأثناء أستعان ولد أعمير برفيقه وأبن عمه المجاهد أحمود ولد أعلي حيث طالبه بإطلاق النار لكي لا يفر العدو كبولاني (قال له بالكلمة الواحد: أطلق علينا النار، أرغب في الموت بدلا من فرار العدو)، كان المجاهد أحمود ولد أعلي يصطحب بندقيته (لكشام) وكان قد حضرها لطلقتين، فأطلق الأولى لميز العدو من خلال اضاءة الرصاص و أطلق الثانية على العدو كبولاني عن قرب شديد ليلقيه قتيلا.

كما تمكن باقي المجاهدين من قتل 5 من معسكر العدو، وأستشهد أربعة من أبطال المجموعة هم: سيدي بن مولاي الزين، وأحمد بن هنون، والكوري بن أشويخ، وأحمد بن لميلح.  كما أصيب سبعة آخرون  بجراح.

•    مبررات منطقية:

منطقيا أتوقع أن يتساءل القارئ الكريم: ما هو الفرق بين روايتك و باقي الروايات؟ و ما هي الأدلة التي تثبت هذه الحكاية؟

أنا لا أتكلم من فراغ، و بالرغم من كوني أنتمي الى قبيلة (إديشلي) التي كانت غالبية مجاهدي الفرقة ينتمون اليها، بل سأقدم مجموعة من الدعائم و أترك للقارئ الحكم بما يراه منطقيا حسب ما تمليه عليه مسؤولياته:

1.    أن المصدر الوحيد الذي يجب أن يحتكم اليه و يعتد بقوله هو المجاهدون الذين نجو من المعركة وعادوا لرواية الخبر على من قابلهم من الأهالي و ظل أولئك الثقاة يتداولون تلك الأخبار الى اليوم، لقد أكد من نجى من معركة تجكجة أن العدو كبولاني قتل على يد المجاهد أحمود ولد أعلي بمساعدة المجاهد محمد ولد أعمير، و أشير هنا الى أنه اليوم مازال على قيد الحياة لله الحمد شهود من أبناء المجاهدين المشاركين في المعركة و أحفادهم، وهم على قدر كبير من الثقة والمسؤولية والحياد و يرغبون في مقابلة كل من يريد أن يزيل اللبس عن وقائع تلك المعركة و ينصف المشاركين فيها.

2.    أن المجاهد الشهيد الشريف سيدي ولد مولاي الزين منذ التفكير في المعركة والتحضير لها و الدخول فيها ميدانيا لا يملك بندقية بشهادة من رفاقه، والمصادر كلها مجمعة على أن العدو كبولاني قتل بالرصاص، فهذا يعني أنه لم يقتل من طرف سيدي ولد مولاي الزين، من ناحية أخرى كان الشهيد سيدي ولد ملاي الزين متقدما في السن مقارنة مع رفاقه الشبان مما يجعله يفقد بعض اللياقة الجسدية وهو ما يتنافى مع كونه قتل العدو كبولاني الذي اتفقت الروايات على كونه مستيقظا وقت المعركة و مصحوبا بسلاحه.

3.    من زاوية الانصاف يجب أن ننظر الى هذه المعطيات المتواتر عليها بتجرد و صدق: أبرز الروايات تؤكد أن عدد المشاركين في معركة تجكجة 20 فردا و أن 18 منهم من قبيلة (إديشلي) و 15 من العدد 18 من فخد (أهل التناكي)، و هذا يعني أنه لو لم يتأكد لنا من هو القاتل الحقيقي لكبولاني ، على الآقل يجب أن تثمن جهودهم لأنهم هم من صنع النصر، أحرى أن يكون القاتل الحقيقي من بينهم.

4.    لا أخفي عتابي الشديد على الباحثين الذين كتبوا عن الموضوع لأنهم انحازوا بدرجة لا تخفى على أحد و الانحياز خطير جدا في الوقائع و الحقائق التاريخية، و أعيب عليهم تضليل القراء و التقصير في البحث لأنه هناك أفراد من أحفاد المجاهدين لم تتم مقابلتهم حتى هذه اللحظة من قبل من كتبوا عن الموضوع مما يجعلني أشكك في مصادر معلومات أولئك الباحثين مع احترامي التام لهم.

في ختام هذا المقال يطيب لي أن أبين للقارئ الكريم أن الدواعي الحقيقية التي جعلتني أثير الموضوع هي رفع الغبن عن المجموعة الأكبر حضورا في تلك المعركة و ذكرها بخير من باب الاعتراف بالجميل كأقل شيء في حقها من جهة، و رفع الالتباس القائم والمغالطة و الضباب الذي ظل بعض الباحثين يريده أن يظل قائما حول مجريات معركة تجكجة التي قتل فيها العدو الفرنسي كبولاني.

كما أدعوا الباحثين الشباب الذين لديهم رغبة شريفة في البحث عن الحقائق التاريخية و تقديم المعلومات النزيهة الى المواطن الموريتاني خصوصا أجيال الغد حول تاريخ مقاومتنا الشريفة، أدعوا هؤلاء الى التحلي بالمسؤوليات الأخلاقية اللازمة و الغوص في مكامن الموضوع، و في هذا السياق أنصحهم بالاتصال بمن بقي على قيد الحياة من أبناء وأحفاد المجاهدين بإعتبارهم المصدر الوحيد لأخبار المعركة من جهة و لتكريم أولئك الأبناء الأحفاد ورد الاعتبار لهم من الجهة الأخرى.

و أعتذر للقارئ الكريم عن عدم الغوص بالشكل المناسب في تفاصيل المعركة (مع أني على دراية كبيرة بها)، لكن كان غرضي الوحيد هو ذكر عناصر أساسية لأترك مجال التفصيل و التحليل للباحثين الأكثر قدرة على ذلك. عـبـــدي ولد البشيـر ولد أمحيحم قانوني وباحث في قضايا التنمية